إذا نظرنا إلى المعارك الصحفية الدائرة اليوم على تصريحات لصبحى صالح أو صفوت حجازى أو عمرو حمزاوى، بل وحتى أبى إسحق الحوينى لتصورنا ان المصريين لن يتفقوا مثلما حدث بالميدان ثانية، فحتى مقال فهمى هويدى "تدليس إعلامى" كان سببا كافيا بعنوانه النارى أن يثير معركة صحفية ليست هينة، ربما هى من تجليات حرية الرأى والديمقراطية، التى ننتظرها بحق ونشغف بها لكى توصلنا لبلد متقدم ناجح. أغلب هذه المعارك مرتبطة ولا شك بالإخوان لأنهم الفصيل الأكثر أهمية، فقد أصبح فى تصور الكثيرين بديل الوطنى مع إيقاف التنفيذ، وهم بلا شك لا يريدونه بديلا للوطنى الذى كان يروج نفسه لطرفى المعادلة السياسية: الإسلاميين والليبراليين على أنه الوسيط الذى سيحقق الوسط الذهبى من خلا إتاحة هامش من الحرية والديمقراطية التى بدأها السادات فى عهده، للجميع، والشاطر منهم كان الوطنى قادرا على تحجيمه لكى لا ينفرد بإدارة قرار الأمة المصرية والعربية. كان الوطنى يحسن اللعب على حبال هذه الوكالة المدعاة ويسلب جميع التيارات الحقيقية من إسلامى وقومى واشتراكى وليبرالى تحركهم الحقيقى، سوى اجتهادات تتفوق فترة ثم تخبو مثلما حدث لأيمن نور، أو عمل دؤوب هادئ فى ثنايا حياة المصريين مثلما كان الإخوان يصنعون، بل ومثلما كان السلفيون فى دروسهم العلمية وهم يعتزلون السياسة يفعلون، وكذلك الأقباط المتدينين داخل كنيستهم كانوا يصنعون.
الآن وقد أصبح الجميع وجها لوجه دونما وكالة الحزب الوطنى الذى أصبح عضوه يتوارى خجلا فبين من قفز من سفينته، ومن آثر الصدق فاستمر بما سيخسره بسبب هذا الموقف، ومن أقفل عليه باب داره، ومن يحاول إدارة عجلة التاريخ فإذا بها تدهسه. الآن المعارك السياسية التى أدعى أنها يجب أن تؤجل لحين الاتفاق على القواعد المنظمة لخلافاتنا، بدأت برغم أمنياتى الحسنة، بل إنها أصبحت تدريبا لنا فى كيفية الخلاف وإدارته، لكى تصبح الديمقراطية المطبقة رشيدة لا حمقاء.
سأخص الإخوان بخطابى لأنهم البديل المدعى للأغلبية الموهومة، فإن صدقت النبوءة التى يكذبها بعض الإخوان، فعليهم ضريبة لهذه الحرية والاستبدال الذى سيجعل منهم مُمَكّنين بعد حظر.
بالنسبة للإخوان تحديدا هم قوم لديهم فكرة يؤمنون بها، وهى فكرة موجودة لكنها كانت مغلقة للحظر، فلما فتح الحظر لم يفهم البعض أنه "لا هجرة بعد الفتح" (قاعدة أبطلت فعلا تعبديا لتغير الظرف من مواجهة لمعايشة)، وأن تألف القلوب أولى من الوقوف صفا فى مواجهة الجموع. أ/ صبحى صالح نموذجا لذلك، فقد مثلهم فى لجنة تعديل الدستور فأصبح أكثر شهرة مما كان، لذلك كان محل تلقف لتصريحاته التى يحتاج لغربلتها بمعاونة شباب من الإخوان وأناس يعون نفسية الجماهير التى يُحارَب الإخوان من جهتها، كما يُحارَبون لأسباب فى داخلهم تحتاج لمراجعة منها على سبيل المثال أنهم يؤمنون بأفكار الجماعة ((كأنها)) من صميم الدين، مع أنه حتى شرائع الدين المتفق عليها بها قاعدة عامة تقول:"لا ضرر ولا ضرار".
الإخوان بين حظر يجعلهم متحفظين من إبداء ما بداخلهم، واعتزاز بما يؤمنون به يجب أن يعوا أن التعامل مع الأفكار البشرية التى كان حسن البنا يحاول من خلالها أن يبنى بناء ضخما، يمكن مراجعتها لأن هذا أصح، مثلما فعلوا مع التعددية الحزبية التى كان البنا رافضا لها وقبلوها بمرور الزمن وتراكم الخبرات.
لقد خصصت صبحى صالح لأنه بتصريحه حول زواج الإخوان من بعضهم البعض، تناسى تغير الظرف الذى يجعل من إيمانهم بأفكارهم وحرصهم على تعديها لغيرهم أن يقبلوا بهذا الزواج بين إخوانى وغير إخوانى، مثلما قبل الإسلام الزواج بين مسلم وكتابية، وهو ما قرب بين الإسلام وأمم شتى عاش بينها حاكما فأصبح بمرور الوقت ساكنا أصيلا، مع الاختلاف فى القياس.
ما يزيد الطين بله أن الأستاذ صبحى صالح يدخل معركة جديدة بقوله أنه كُذب كما كُذب النبى صلى الله عليه وسلم، وأنا هنا أذكره بأمر ربما لا يخفى على أمثاله: كان الإخوان فى حال حظرهم يُدافع عنهم من قبل أناس يرون أن من حقهم أن يعبروا عن أنفسهم ولا يكونوا محظورين، وكانوا يجدون تأييدا من البعض حول مواقف محددة يميل إليها كثير من عناصر الأمة وتياراتها، وكان من بين هؤلا واحدة مثل منى الشاذلى أو واحدا كبلال فضل أو ابراهيم عيسى. هل المفترض فيمن كان يرى لى حقا أن أضعه فى خانة الأعداء حينما يخالفنى رأيا أو موقفا، أم أن ذلك سيعود على بالضرر السياسى لأننى إنما أحارب طواحين الهواء، وأستبدل التألف بالعداوات. إن تيارات مصر تجتمع على مواقف وتختلف على أخرى، فلا يجب أن نجعل الاختلاف كسرا، بينما يجب أن نجعل ما نتفق عليه قوة وعزيمة.
إن ما يلام عليه صبحى صالح يستدعى من الإخوان تفهما لحديثهم للناس وما يجب قوله وما لا يجب: أى الكياسة والأولويات واعتبار تغير الوضع بقيام الثورة، وإلا لأصبحوا فى مرمى السهام والتى لن تكون جميعها مغرضة، بل سيكون بعضها قاسيا لأن موجهها مختلف معهم، لكن هناك من ينصحهم إشفاقا عليهم وعلى صورة الإسلام الذى قد يمثلونه فى لحظات تاريخية قادمة، فإن أساؤوا سيقال أساء الإسلام مُمَثلا فى الإخوان المسلمين، وحينها سيكون أول من يواجههم لا العلمانيين ولا الليبراليين، بل إسلاميين أمثالهم، وهذا هو جوهر الديمقراطية أو الشورى التى ندعى جميعا أننا نريدها لكننا فى مرحلة تدريب عليها، وفق الله جميع تيارات مصر لصالح مصر وأمتها العربية والإسلامية، مصر التى أصبحت - بدون شك- نموذجا ينظر إليه جميعهم من المشرق للمغرب بأكثر مما كنا نتصوره كمصريين، لذلك فخلال و بعد هدأة غبار معارك جانبية على الأصوات والصناديق، وتدعى أنها لأسباب أخرى مبدأية بين تيارات مصر، يجب على الجميع أن يعوا أن مواقفهم ليست تُنظر من شعب مصر فقط بل من العالم أجمعه والأهم هو محيطنا الذى يقف معنا إن أفلحنا ويتأسى علينا إن فشلنا، والله من وراء القصد.