Thursday, June 2, 2011

لا هجرة بعد الفتح


إذا نظرنا إلى المعارك الصحفية الدائرة اليوم على تصريحات لصبحى صالح أو صفوت حجازى أو عمرو حمزاوى، بل وحتى أبى إسحق الحوينى لتصورنا ان المصريين لن يتفقوا مثلما حدث بالميدان ثانية، فحتى مقال فهمى هويدى "تدليس إعلامى" كان سببا كافيا بعنوانه النارى أن يثير معركة صحفية ليست هينة، ربما هى من تجليات حرية الرأى والديمقراطية، التى ننتظرها بحق ونشغف بها لكى توصلنا لبلد متقدم ناجح. أغلب هذه المعارك مرتبطة ولا شك بالإخوان لأنهم الفصيل الأكثر أهمية، فقد أصبح فى تصور الكثيرين بديل الوطنى مع إيقاف التنفيذ، وهم بلا شك لا يريدونه بديلا للوطنى الذى كان يروج نفسه لطرفى المعادلة السياسية: الإسلاميين والليبراليين على أنه الوسيط الذى سيحقق الوسط الذهبى من خلا إتاحة هامش من الحرية والديمقراطية التى بدأها السادات فى عهده، للجميع، والشاطر منهم كان الوطنى قادرا على تحجيمه لكى لا ينفرد بإدارة قرار الأمة المصرية والعربية. كان الوطنى يحسن اللعب على حبال هذه الوكالة المدعاة ويسلب جميع التيارات الحقيقية من إسلامى وقومى واشتراكى وليبرالى تحركهم الحقيقى، سوى اجتهادات تتفوق فترة ثم تخبو مثلما حدث لأيمن نور، أو عمل دؤوب هادئ فى ثنايا حياة المصريين مثلما كان الإخوان يصنعون، بل ومثلما كان السلفيون فى دروسهم العلمية وهم يعتزلون السياسة يفعلون، وكذلك الأقباط المتدينين داخل كنيستهم كانوا يصنعون.
الآن وقد أصبح الجميع وجها لوجه دونما وكالة الحزب الوطنى الذى أصبح عضوه يتوارى خجلا فبين من قفز من سفينته، ومن آثر الصدق فاستمر بما سيخسره بسبب هذا الموقف، ومن أقفل عليه باب داره، ومن يحاول إدارة عجلة التاريخ فإذا بها تدهسه. الآن المعارك السياسية التى أدعى أنها يجب أن تؤجل لحين الاتفاق على القواعد المنظمة لخلافاتنا، بدأت برغم أمنياتى الحسنة، بل إنها أصبحت تدريبا لنا فى كيفية الخلاف وإدارته، لكى تصبح الديمقراطية المطبقة رشيدة لا حمقاء.
سأخص الإخوان بخطابى لأنهم البديل المدعى للأغلبية الموهومة، فإن صدقت النبوءة التى يكذبها بعض الإخوان، فعليهم ضريبة لهذه الحرية والاستبدال الذى سيجعل منهم مُمَكّنين بعد حظر.
بالنسبة للإخوان تحديدا هم قوم لديهم فكرة يؤمنون بها، وهى فكرة موجودة لكنها كانت مغلقة للحظر، فلما فتح الحظر لم يفهم البعض أنه "لا هجرة بعد الفتح" (قاعدة أبطلت فعلا تعبديا لتغير الظرف من مواجهة لمعايشة)، وأن تألف القلوب أولى من الوقوف صفا فى مواجهة الجموع. أ/ صبحى صالح نموذجا لذلك، فقد مثلهم فى لجنة تعديل الدستور فأصبح أكثر شهرة مما كان، لذلك كان محل تلقف لتصريحاته التى يحتاج لغربلتها بمعاونة شباب من الإخوان وأناس يعون نفسية الجماهير التى يُحارَب الإخوان من جهتها، كما يُحارَبون لأسباب فى داخلهم تحتاج لمراجعة منها على سبيل المثال أنهم يؤمنون بأفكار الجماعة ((كأنها)) من صميم الدين، مع أنه حتى شرائع الدين المتفق عليها بها قاعدة عامة تقول:"لا ضرر ولا ضرار".
الإخوان بين حظر يجعلهم متحفظين من إبداء ما بداخلهم، واعتزاز بما يؤمنون به يجب أن يعوا أن التعامل مع الأفكار البشرية التى كان حسن البنا يحاول من خلالها أن يبنى بناء ضخما، يمكن مراجعتها لأن هذا أصح، مثلما فعلوا مع التعددية الحزبية التى كان البنا رافضا لها وقبلوها بمرور الزمن وتراكم الخبرات.
لقد خصصت صبحى صالح لأنه بتصريحه حول زواج الإخوان من بعضهم البعض، تناسى تغير الظرف الذى يجعل من إيمانهم بأفكارهم وحرصهم على تعديها لغيرهم أن يقبلوا بهذا الزواج بين إخوانى وغير إخوانى، مثلما قبل الإسلام الزواج بين مسلم وكتابية، وهو ما قرب بين الإسلام وأمم شتى عاش بينها حاكما فأصبح بمرور الوقت ساكنا أصيلا، مع الاختلاف فى القياس.
ما يزيد الطين بله أن الأستاذ صبحى صالح يدخل معركة جديدة بقوله أنه كُذب كما كُذب النبى صلى الله عليه وسلم، وأنا هنا أذكره بأمر ربما لا يخفى على أمثاله: كان الإخوان فى حال حظرهم يُدافع عنهم من قبل أناس يرون أن من حقهم أن يعبروا عن أنفسهم ولا يكونوا محظورين، وكانوا يجدون تأييدا من البعض حول مواقف محددة يميل إليها كثير من عناصر الأمة وتياراتها، وكان من بين هؤلا واحدة مثل منى الشاذلى أو واحدا كبلال فضل أو ابراهيم عيسى. هل المفترض فيمن كان يرى لى حقا أن أضعه فى خانة الأعداء حينما يخالفنى رأيا أو موقفا، أم أن ذلك سيعود على بالضرر السياسى لأننى إنما أحارب طواحين الهواء، وأستبدل التألف بالعداوات. إن تيارات مصر تجتمع على مواقف وتختلف على أخرى، فلا يجب أن نجعل الاختلاف كسرا، بينما يجب أن نجعل ما نتفق عليه قوة وعزيمة.
 إن ما يلام عليه صبحى صالح يستدعى من الإخوان تفهما لحديثهم للناس وما يجب قوله وما لا يجب: أى الكياسة والأولويات واعتبار تغير الوضع بقيام الثورة، وإلا لأصبحوا فى مرمى السهام والتى لن تكون جميعها مغرضة، بل سيكون بعضها قاسيا لأن موجهها مختلف معهم، لكن هناك من ينصحهم إشفاقا عليهم وعلى صورة الإسلام الذى قد يمثلونه فى لحظات تاريخية قادمة، فإن أساؤوا سيقال أساء الإسلام مُمَثلا فى الإخوان المسلمين، وحينها سيكون أول من يواجههم لا العلمانيين ولا الليبراليين، بل إسلاميين أمثالهم، وهذا هو جوهر الديمقراطية أو الشورى التى ندعى جميعا أننا نريدها لكننا فى  مرحلة تدريب عليها، وفق الله جميع تيارات مصر لصالح مصر وأمتها العربية والإسلامية، مصر التى أصبحت - بدون شك- نموذجا ينظر إليه جميعهم من المشرق للمغرب بأكثر مما كنا نتصوره كمصريين، لذلك فخلال و بعد هدأة غبار معارك جانبية على الأصوات والصناديق، وتدعى أنها لأسباب أخرى مبدأية بين تيارات مصر، يجب على الجميع أن يعوا أن مواقفهم ليست تُنظر من شعب مصر فقط بل من العالم أجمعه والأهم هو محيطنا الذى يقف معنا إن أفلحنا ويتأسى علينا إن فشلنا، والله من وراء القصد.

Monday, April 25, 2011

كلنا واحد والنجاة من مصير أسود



إغفاء، ثم يقظة، على أحداث فيلم: يتزوج الشاب المتدين العائد لبلدته الصغيرة من عاهرة تائبة تكبره بسنين، وقد تزوج من محبوبته شابا يماثله فى السن، لكنه يغايره فى الاتجاه: يعمل مع الشرطة مرشدا أو ماشابه، بل ويختلف مع الضابط الذى ينقل من هذه العزبة وهو يرفض ويحاول التجهيز لمعركة لقتال مجموعة بالعزبة، فإذا بالزوجة المحبوبة تشعل النار فى زوجها الكريه الذى ربط نفسه بالسلطة وممثلها الأقوى بالعزبة، ثم اختلف معه. بينما حبيبها السابق يقتل على يد من أعطوه أموالهم ليشغلها بعد أن نجح بالتجارة لما عاد للعزبة، فإذا بزوجته العجوز تأخذ الأموال لتتركه فى مهب ثورة الناس، ويموت النقيضان الطيب والشرير بالرصاص فى لحظة درامية واحدة تؤذن بنهاية الفيلم "عزبة آدم". يا لها من نبوءة لكلا طرفى المعادلة بمصر، توقعها البعض لحزب السلطة المكروه ولحزب التدين الذى لا يحسن إدارة أموال الناس، فيصبح كليهما محلا لثورة الناس، الذين يريدون العيش فى رخاء وسلام، ينتظروهما من السلطة ومن أهل الدين.
          وقامت الثورة بمفاجأة لم يتوقعها أحد فى هذا التوقيت بالذات، تأخرت عن بعض التوقعات وسبقت بعضها الآخر، فإذا بحكيم يتغنى: "كلنا واحد" ناشرا أعلام الدول العربية المتعددة ورمز الهلال مع الصليب، فيا لها من محاولة للخروج من المصير المأزق الذى نجت منه مصر ولم تنج سلطتها المنهزمة بقيام الثورة، وإسقاط النظام. لم يعد لنا إلا أن نتأسى بما حدث فى الثورة من استلهام النماذج الناجحة مثل ثورة تونس، وتناسى الخلافات والقدرة على التآلف والائتلاف، من غير سلطة تلزم الناس به. أن يتآلف المختلفون على مصالح البلاد والعباد، ويستطيعوا أن يديروا خلافاتهم بنجاح لمصلحة السفينة التى لا يمكن أن يستبد كل جماعة برأيهم فيها فيخرقوها لنغرق جميعا. 

Tuesday, April 12, 2011

الشعب العاطفى ورجال الحكم



يقولون أن الشعب المصرى شعب عاطفى، وهذه حقيقة نشعر بها ونراها، وقد تندرنا كثيرا بهذا إبان الخطابات الحرجة التى أخذ الرئيس السابق حسنى مبارك بإلقائها وإذاعتها بمعاونة الرجال المقربين منه، وكان يحاول من خلالها إرسال رسائل للشعب وبعض طوائفه، مثلما هو أراد أن يستدر عواطفهم نحوه، وهى عواطف بدأت معه من بداية عهده جياشة ثم هدأت ثم تململت ثم انقلبت، وحينما حاول أن يسترجعها بخطاباته تلك أثناء الثورة أتت بالنتائج العكسية باقتدار.
            الآن يأتى خطاب ما بعد الرئاسة لمبارك فى توقيت متقارب مع خطاب يكاد أن يكون الأول لرجل الدولة التنفيذى الأول: د.عصام شرف. و إذا بنا نجد أنفسنا فى موضع المقارنة، حتى مع اختلاف درجة التكليف بالسلطة، فالأول رئيس واسع السلطات والثانى رجل طلب ليرأس مجلس الوزراء فى وقت الأزمة ولا يوجد رئيسا منفردا ليجعله سكرتيرا بل مجلس عسكرى مثقل بالتكاليف والمطالب، ويحتاج لوزراء يعينونه فيحملون معه.
            الحقيقة أننى شعرت بأن الدكتور عصام شرف رجل يميل للعمل أكثر من الكلام، لكنه ليس عاجزا عنه، بل لعله زاهد فيه، وأحمد الله أنه تحدث بالعامية مخالفا لخطابات مبارك الفصيحة والخالية من الإحساس بالناس، فأول خطاب حتى ولو كان كله بالعامية هو خير من خطاب فصيح لا يصل لنا، وأظنه يضع نقاطه فى ورقة ثم يسترسل فى تفاصيلها مثل بعض الأساتذة فى محاضراتهم (وهو أستاذ جامعى)، ولعله فى المستقبل يجمع بين الفصحى والعامية مثلما كان جمال عبد الناصر أوالشيخ الشعراوى والعامية تقرب المتحدث من الناس مثلما تجعله الفصحى رسميا.
            من الحسن أن يكون شرف متجنبا لكلمات اشتهرت على لسان مبارك، مثل"الإخوة المواطنون" أو "الإخوة والأخوات" أو "مصر هى هدفنا" ومثل هذه الديباجات التى فقدت معناها على لسان مبارك، بل بسببه هو ومن شابهه بمصر وفى الوطن العربى. ولقد وجدت أن الخطاب العاطفى فى خطاب شرف أفضل وأقرب لقلوبنا فى هذا الظرف العصيب بعد الثورة التى تواجه فيه مصر تحديا جديدا مرتبطا بمبارك وهو كيفية توقيت محاسبته ومحاكمته، فلقد أصبح المجلس العسكرى فى محل الريبة لدى قطاعا من المصريين، بينما يثق فيه غالبية المصريين، لكنهم ربما ليسوا متأكدين من أن محاسبة مبارك كانت ستأتى أصلا، لكن الأزمة جعلت الطرفين ليسا فى موضع اختيار، فالحساب أصبح قادما ولا بد، حيث أن التأخير عادة ما يعطى الخطوة دفعة قوية زادها دفعا خطاب مبارك المسجل من شرم الشيخ والذى فجع الكثيرين، لا لمحتواه بل لمصدره الذى لم يعد يحظى إلا بتعاطف الأقلية القليلة.
            وتعاطف الشعب وحده ليس كافيا، حتى مع المجلس العسكرى الذى يمسك بزمام الأمور، فالشعب المصرى لديه طابع عجيب لا بد أن يعرفه كل من يحاول أن يحكمه من أول المجلس العسكرى لعصام شرف لساسة مصر فى جميع التيارات والذين أصبحت عيونهم على كراسى الحكم الآن من رئاسية لوزارية لبرلمانية، وأخص منها الكراسى التنفيذية بالذكر. هذا الشعب المصرى يبدأ مع من يحكمه بتفحص مستبشر، يزداد مع مرور الأيام قربا وثقة خاصة إذا قام بعمله على الوجه الصحيح، وليس الأمثل، فإذا كان عمل المسؤول محل تقدير وتميز، أصبح الحب جارفا، لكنه مع الوقت ومع مرور الزمن خاصة إذا أصابت الأمور ركودا معتادا يصبح الأمر ثقيلا على قلوبهم، فإذا توفرت الأسباب للضجر من قلة الأرزاق وفساد السياسة وضعف هيبة الدولة، انقلب الشعب على أعقابه سلبيا، ينتظر تحركا من قوة داخل الحكم تستبدل حاكما بآخر، أو تزيل حكمه، ثم مع مرور الوقت ينقلب على حكامه بشكل مفاجئ مثلما حدث فى ثورة 25 يناير ومن قبلها ثورة 1919 وثورة 1795م والتى استكملت بثورات القاهرة على الفرنسيين ثم صدهم لفريزر وحدهم عن رشيد، وغيرها. هذا الخروج وهذه الثورة تكون غير محسوبة وأقرب للعفوية، بل وتحتاج لمن يساعدها على ترشيد الاتجاه، مثلما يفعل المجلس العسكرى، أو مثلما أتى محمد على بعد جلاء الفرنسيين بيد عمر مكرم زعيم الشعب آنذاك. نحن الآن فى المرحلة الانتقالية لكننا نحتاج لمطالب نراها حساسة على رأسها المحاسبة لمن أفسد فى السابق، لكننا لابد أن نكون محافظين على السياق الحضارى للثورة الرائعة السلمية، وألا يكون حماس البعض مثارا لتشدد المجلس العسكرى بقدر ما يكون حافزا لتحقيق آمال الشعب المصرى والتى لا يعبر عنها بكتلته فى أغلب الأحيان.
            يا من تستعدون لحكم مصر بعد أن تنجحوا فى الانتخابات البرلمانية، كثير منكم يعرف مفاتيح قلوب وعقول الشعب المصرى ويستطيع أن يزيح الفلول المنهزمة من الحزب الوطنى الديمقراطى بسهولة قد تثير تعجبكم أنفسكم، لكننى أناشدكم الله أن تختاروا من بين أنفسكم لمناصب السلطة التنفيذية (فى حالة الحكومة البرلمانية أو الحكومة المعينة بتوافق حزبى من قبل الرئيس فى نظام رئاسى). أناشدكم الله أن تختاروا من بين أنفسكم رجالا لديهم الخبرة العملية والقدرة أكثر مما لديهم من القدرة الخطابية، فنحن نحتاج لمن يقوم بعمل قوى يسحب مصر من هوة كادت أن تقع فيها لكى تنهض من كبوتها، ولتجعلوا لهم من رجال الكياسة السياسية والحديث المنسق مستشارين ومعاونين. ولتضعوا من بين أنفسكم هؤلاء الرجال المهرة، حتى ولو استدعى الأمر أن تستدعوهم ليشاركوكم فى أحزابكم وائتلافاتكم دونما قدرة على المشاركة السياسية الواسعة والتى تأخذ من أوقاتكم الكثير، فهؤلاء مخزون مصرى لا بد له من أن يكون فى طليعة البناء، وأن تضعوهم فى المناصب التنفيذية لمصلحة أحزابكم ولمصلحة مصر سويا، ولكى تخرج لمصر القدوة البشرية التى تكون أول صف يبنى عليه من شباب سيُستدعون بمرور الأيام لصدارة المشهد، ولا بد لهم من أن يحسنوا اختيار القادة من بينهم مع تراكم الخبرات والبناء. ولتحذروا خلال المرحلة القادمة أن تستعجلوا غضب الشعب عليكم بسوء تقدير أو بطء فى الحركة، مثلما تعيبون على من يقومون الآن بإدارة الدفة، فالشعب المصرى ذكى مثلكم، ويحتاج لحركة حقيقية وقوية فلا يجب على من يسعى لمناصب الحكم منكم ألا يكون أقل من طموحات الشعب، وإلا سيُفرز سريعا ليُستبدل، وهذه طبيعة الثورات التى تريد طموحات عريضة مثل ثورتنا هذه، فلنا الله ليهدينا وليولى من يصلح بأصواتنا.

Saturday, March 19, 2011

الديمقراطية هى الحل والإسلام دين التنوع والاجتهاد



        كنت أريد أن أقول (نعم) فى التعدبلات الدستورية، لشعورى باحتياج مصر لمجلس الشعب ليكون اليد المُصلحة لترسانة القوانين التى أوصلت شعب مصر مع طغيان مبارك ورجاله إلى حالة يرثى لها تستدعى التدخل السريع والجذرى لإصلاح هيكلى للدولة المصرية وكثير من طرق إدارتها البيروقراطية، لكننى تخوفت من التلاعب بالدين خاصة وأنا أعلم أن (لا) و(نعم) لن يكونا بهذا التأثير المخيف على المادة الثانية من الدستور مثلما يشيع كثيرون من أهل (نعم) وأهل (لا).
هل أطلق رجال من الإخوان والسلفيين دعوى بأن التصويت بنعم للتعديلات الدستورية واجب شرعى؟
أنا أرى أن الفصيلين الإسلاميين، وغيرهما مثل المتصوفة والأزهريين، بل والأقباط المتدينين والعلمانيين، فى حاجة لأن يكون عملهم السياسى وآرائهم  من خلال الديمقراطية و الحرية وفى النور لكى يصبح تمثيلهم حقيقيا لا متوهما، ولكى تستطيع الفكرة المتغلغلة فى ضمير الشعوب المسلمة أن تظهر بشكل شرعى دون أن توجه سهامها لأهلها فى معركة وهمية لا مستفيد منها سوى أعداءنا جميعا.
لكننى فى الوقت ذاته أرفض أن تتحول الآراء والاجتهادات لسيوف مسلطة على رقاب العباد الواعى منهم أو الذى يحاول أن يعى، فيقوم رجل لا يدرك أن اجتهاده والذى يراه صحيحا هو اجتهاد لا اتفاق وقطع بالصواب، رغم اختلاف غيره معه بناء على أدلة عقلية بل وأحيانا نقلية، وذلك فى أمور بعضها أعطى الإسلام فيها إضاءات لنهتدى خلال تعاملنا معها، والأخرى تركها لنا ما دامت غير منصوص عليها لنجتهد فيها، بل وأمور ينتظر العاقل فيها لكى لا يحمل الناس على الحق قسرا، بل برضاهم.
الكثير والكثير من أمور التشريع والتطبيقات العملية، تقع تحت نطاق الاجتهاد، وتحتمل الاختلاف، خاصة ما كان من تعديلات الدستور الحالية، وإلا لو كانت محل اتفاق شرعى أو سياسى أو ما شابه ما لجأت السلطات لعمل استفتاء حولها. الأعجب أن يأتى هذا فى توقيت حرج يذهب فيه المصريون بإقبال شديد ولهفة على المشاركة وشعورهم أن رأيهم أصبح له قيمة، وهذا معنى عميق من معانى الشورى التى أرساها الإسلام.
 فإذا ببعض من الذين تحسسوا من كتابة الدستور الجديد ابتداء يتخوفون من القوى الأخرى أن تزيح المادة الثانية، فيغلب على ظن الأقباط أنهم بقولهم (لا) سيمنعون فرض المادة الثانية عليهم، وسيفها المخيف من خلال تطبيق الإسلاميين مستقبلا لها لظلمهم (كما يتوقعون) وحرمانهم من حقوقهم المدنية ربما أكثر مما فعل مبارك.
هذا التخوف المشترك على المادة ومنها ربما هو مَرَضى ومن باب الهلع أكثر منه حقيقيا، فالإسلاميين إذا خافوا من إزالة المادة الثانية من قبل القوى المدنية والقبطية فهم كأنهم لا يعرفون معدن المصريين المتدين، والقوى المدنية والأقباط إذا خافوا من إساءة استخدام المادة الثانية من قبل الإسلاميين، فهم يفقدون الثقة فى الآخر المصرى، بل وفى أنفسهم، وفى مناصرة المصريين المتشبثين بالعدالة والمساواة لهم.
هذا كان ميراث الوكيل المعتمد لمخاطبة القوى المختلفة (الحزب الوطنى). أذكر أيام كنت أدخل على برنامج البالتوك، وهو برنامج لحوارات مسموعة بين أناس قد لا تعرفهم على الانترنت، كان الحزب الوطنى يصور نفسه للمتدينين وللعلمانيين كأنه الوسط الذهبى فيظهر نفسه للمتدينين على أنه يمنع إزالة المادة الثانية ويحافظ على التقاليد والشعائر، ويظهر نفسه للعلمانيين والأقباط على أنه هو الحامى لحمى الدولة المدنية، والذى يمنع المتطرفين من الجماعات من تقتيل الأقباط. ولا شك أن هذه الورقة قد انكشفت، ولعل تعامل جميع الأطراف وجها لوجه هو الذى سيزيل اللبس والأساطير، ويجعل الجميع فى مركب واحد يتفاعلون سويا لصالح البلد الكبير الذى ننتمى إليه ويسكن فينا حقا.
أنا مقتنع بوجود اجتهادات متنوعة للدين الإسلامى تعلمناها تاريخيا، بل وكانت مصر بالخصوص - لوقوعها فى مركز القوة وعلى مفترق الطرق - هى الحاضنة لهذا التنوع، فكان بمصر المملوكية -التى تمثل قوة عظمى فى زمانها- قضاة للمذاهب الأربعة الفقهية، وهو ما انطبق على أهلها، وأعطى لهم سعة فى التفكير حتى خلال منظومة التفكير الإسلامى الصرفة، وكذلك تعربت الأقباط فى حياتهم، وكثير من كتاباتهم، وأصبح الكتاب المقدس مترجما للعربية فى نفس السياق التاريخى، وبدون اعتساف أو قهرعلى مثل هذا التعريب، بل فى تعايش ببلد قوى، لا اختلاف فى بلد ضعيف.
هذه الاجتهادات المتعددة لا تزال موجودة من خلال تيارات العمل الوطنى: الليبرالية والقومية والاشتراكية والإسلامية، وكذلك داخل التيارات الإسلامية أصبحنا نرى إخوانا ووسطا وسلفيين وصوفية، فهل الحل هو التنازع، لا سيما فى السياسة التى تحتكم للاعتبارات العملية فى أغلب أحوالها، وهو موضع الاجتهاد، الذى يجعلك اليوم مشتركا مع القوميين، وغدا مع الليبراليين، وبعد غد مع الاشتراكيين.
 لعل من الاجتهادات المقبلة بإلحاح على الجميع فى هذا الظرف صياغة العدالة الاجتماعية من خلال تصور مختلف عن تأميمات الدولة واشتراكيتها التى فرضتها الدولة فى الستينات، ويجب على التيارات الأربعة التعاون للوصول لتصور مجتمعى مشترك يستفيد من اقتراحات كل طرف لمصلحة مصر.
أرجو أن يعى الإسلاميين أن إقحام الحلال والحرام والفتوى فى كثير من الأمور، هو مثل القول فى القرآن بالرأى، يضر بالإسلام أكثر مما ينفعه، ويلصق به اجتهادات الناس وهم غير معصومين، بل وقد يضلل العامة فيكون ضرره عليهم لاحقا أكبر، وتأثيره على صورة الإسلام الناصعة أسوأ. وأن يعوا أن مصر الإسلامية والقومية والقبطية كانت منذ القدم قبلة للأفكار وقبلة للناهلين من خبراتها وتجاربها، فلا يحتكرن أحدنا صحة الاجتهاد، لكيلا يعاقب مثلما عوقب -بسنن الله وقوانينه الغلابة- عبد الناصر لما هزم فى 1967ومبارك لما عزل فى 2011، فهذا قدر الاستبداد الذى يسول الشيطان لصاحبه أنه الأمين على الحق وحده، فيغتر ويخطئ، وهو ما جعل الإسلام ينهى العلماء عن مصاحبة السلطان، بل وجعل العالم الذى يذهب للسلطان فيأمره وينهاه هو العالم الأورع، فكان هذا هو النموذج العابر للعصور للعلماء، والذى أثرى رجالات الأزهر فى عصور طوال، فحذار من إغراء السلطة بأن يجعلكم تنسوا أنكم ستصبحون فى موقعها هدفا لمعارضة العلماء الصالحين لتقويمكم مثلما حدث لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما قال على المنبر:- "إذا أصبت فأعينوني، وإذا أخطأت فقوموني"، فقال له رجل من بين الناس: "إذا أخطأت قومناك بسيوفنا..!".

عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يرضى بتعبيد الناس للناس ومصادرة عقولهم، وتغييبهم عن الساحة، بل يطالبهم بالمشاركة والناس لا يرضون بالتبعية والعجز.. وهكذا تبنى الأمم.(1)

مصادر:


Tuesday, March 15, 2011

الطريق الثالث بدلا من لا ونعم


هناك الكثيرون ممن دعوا لرفض التعديلات الدستورية المقترحة من قبل اللجنة التى شكلها المجلس العسكرى القائم بأعمال رئيس الجمهورية، وذلك لعدة أسباب وجيهة منها أن الشرعية الدستورية لا تحتمل ترقيع دستور يحمل من العيوب أكثر من المزايا. أما دعاة الموفقة فإما أنهم يحملون مصلحة بوجود مجلس الشعب القادم (وهذا أمر لن نتأكد منه إلا بالتجربة فى الصندوق) أو أنهم يرون على أرض الواقع اشتباكات لاستمرار الحكم بالمجلس العسكرى، مع صعوبة الانتقال لمجلس رئاسى مع غياب المؤسسات وخطورة تمديد الوضع المؤقت، بل إن البعض وصل لأن الفائدة فى تمديد الوضع الانتقالى هى نوع من تحييد الجماهير التى لا تحتاج وصاية من باب أنها لم تصل بعد لمستوى الديمقراطية والوعى الديمقراطى الكافى.
يخاف الداعين للرفض من الثورة المضادة ممثلة فى حزب أصحاب المصالح الذين ربما يكون الإجهاز عليهم بسرعة التحركات الثورية أشد نجاحا من تركهم سنة وبضعة شهور لترتيب أوضاعهم، بينما يخاف الداعين ل"نعم" من تململ الشارع من عدم الوصول لإصلاحات حقيقية طالما لم يستطع المجلس العسكرى إجراء تغييرات جذرية فى البنية القانونية والإدارية للدولة خلال الفترة الانتقالية.
لوهلة تصورت نفسى فى اللجنة الانتخابية وأسود البطاقة ب"نعم" وب"لا" كليهما مبطلا صوتى، ولعل ما أوحى إلى بذلك أحد الاستفتاءات الاستطلاعية التى وجدت المجيبين ب"نعم" 43% والمجيبين ب"لا" 47 % والباقين لم يحددوا بعد رأيهم، فهل من الممكن أن نخرج من استفتاء مثل هذا للعجلة بنتيجة تعادل أو هزيمة سلبية للأطروحتين المستفتى عليهما.
وياترى ما هى التتابعات التى ستحدث، بالرغم من قناعتى أن هذا الحل قد يكون سحريا وسيؤدى لنفس نتيجة لا بالضبط، وهو الشروع فى انتخاب جمعية تاسيسية للدستور من قبل الشعب الذى يخاف البعض من أن يأتى بالحزب والوطنى والإخوان سويا ليتآلفوا بعيد ثورة فرقت بينهما تفرقة دموية، فهلا أجابنى أحد العاقلين هل يمكننى أن أكون زمهلويا بدلا من تشجيع الأهلى أو الزمالك؟

Saturday, March 5, 2011

النقل البحرى ولاجئى مصر فى تونس



          قامت القوات المسلحة المصرية ببعث قطعتين بحريتين لتونس (حلايب وشلاتين) لترجع بكميات كبيرة من المصريين الذين لجؤوا للحدود التونسية لقربها من طرابلس العاصمة الليبية والتى لم تستقر الأوضاع حولها وبها على قرار موحد مع الثورة أو مع القذافى. ثم تزايدت الأعداد حتى أعلنت فرنسا وبريطانيا مشاركتهما فى إرجاع 11 ألف مصر للأسكندرية، كما شاركت العديد من الدول بإعادة المصريين بالطائرات من تونس، مع مصر.
          لكن ما أثارنى هو عدم وجود قطع بحرية مصرية تذهب لتونس لتأتى بالمصريين مشاركة من القطاع المدنى مع القطاع العسكرى. تذكرت ركوبى إحدى عبارات السلام المملوكة لممدوح اسماعيل قبل أن يسقط وتسقط شركته، فى طريقى من السويس لجدة، والحقيقة لم تكن هذه العبارة سيئة فى حدود الرحلة. لكننى سافرت بعد حادث العبارة للمملكة العربية السعودية للعمل، وفكرت فى الرجوع بالبحر، فسألت عن نفس الخط البحرى بين جدة والسويس، فقيل لى أنه قد أوقف، ولا يوجد إلا جدة-سفاجة وبسعر يقارب سعر بعض الخطوط الجوية، وكان النقل البرى يجرى بعبارتين أو لنشات سريعة من ضبا لسفاجة خلال ساعات لعبور البحر الأحمر بين البلدين، وهاتين العبارتين كانتا هدية سعودية للنقل البحرى بين البلدين.
          سؤالى هو: أين شركات الملاحة البحرية المصرية، ولماذا لم تنشأ شركات جديدة لإبقاء الخط الملاحى الهام للعمرة والحج فى البحر الأحمر، من قبل رجال أعمال آخرين؟ وهل كان ممدوح إسماعيل هو المحتكر الوحيد لهذه الوسيلة الهامة للنقل؟ أليس هذا مجالا للمكسب بالنسبة لرجال الأعمال الوطنيين، ومجالا لقوة مصر ومشاركة القطاعات المدنية فى أى أزمة شبيهة بأزمة المصريين العالقين بتونس؟
سؤال لا بد أن نجيب عنه فى المستقبل القريب خاصة بعد ثورة المصريين على الكثير من المفاسد، ومنها الاحتكار والبحث عن الربح بلا بناء حقيقى لقدرات مصر، وخاصة مع رئاسة الوزراء لرجل خبير فى النقل على مستوى عالمى مثل د. عصام شرف.

Friday, March 4, 2011

تركيا وماذا نستفيد منها

تركيا كانت نموذجا ملهما للإسلاميين الشباب، وربما للمدافعين عن الديمقراطية، مقالتان قرأتهما وأرى أنهما ربما يعطيانا جزءا من الصورة:
1-

إنشاء مجلس أمن قومي، بناء أحزاب قوية، الأولوية للتصنيع والتصدير

ثلاثة نماذج تركية تصلح لمصر الديمقراطية (كارنيجي)

محمد حامد

قِيل الكثير عن "النموذج التركي" ومدى ملائمة تطبيقه في مصر، لكن من غير المعقول تطبيق تجربة وطنية بحذافيرها كنموذج لدولة أخرى. في الوقت ذاته لا تخلو التجربة التركية من ثغرات ومشاكل. ومع ذلك، فإن هناك ثلاث تجارب تركية هامة يمكن الاستفادة منها في مصر حاليًا:
أولها: إنشاء "مجلس أمن قومي"؛ مصر بحاجة لهذا المجلس لتنظيم العلاقة في المستقبل القريب والبعيد بين القوات المسلحة والقادة المدنيين المُنتخبين. وقد أُنشئ مجلس الأمن القومي التركي في أوائل الستينيات من القرن الماضي ليضم رؤساء أركان الجيش، والرئيس المدني، ورئيس الوزراء، والوزراء المعنيين؛ مثل وزراء الدفاع والداخلية والشئون الخارجية وغيرهم. وتكون مهمة المجلس مُنصبّة على وضع السياسة الخاصة بالشئون الدفاعية والاستراتيجية، بجانب تعزيز التوافق في الآراء بين القيادات العسكرية والمدنية. كما أنه يضمن للجيش دورًا وصوتًا في الدولة الديمقراطية، ويُؤمّن مساعدة الجيش في التحول نحو الديمقراطية بشكل آمن وبعيدًا عن أي فوضى أو فراغ.
مجلس كهذا من شأنه طمأنة الجيش إلى أنه سيكون له دور ورأي في النظام الديمقراطي الجديد، بينما في المقابل يحظى المجلس بدعم القوات المسلحة لضمان انتقال آمن ومستقر نحو الديمقراطية دون أن يتدهور الوضع إلى حالة من الفوضى، أو تحاول أي طائفة اختطاف التحوّل الديمقراطي.
بناء المؤسسات السياسية والقوانين الملائمة
ثانياً: بناء أحزاب قوية.. مصر بحاجة إلى تحرك سريع لبناء المؤسسات التي من شأنها تحقيق الديمقراطية وتفعيلها. قد تبدو عملية الإطاحة بالطاغية سهلة مقارنة بالتحدي المُتمثّل في بناء المؤسسات والسلوكيات الديمقراطية. فمن المستحيل التغلّب على آثار ستين سنة من الحكم المستبد بسهولة. إن عملية التحوّل الديمقراطي في تركيا استغرقت عقودًا طويلة؛ تعثّرت فيها مرارًا بسبب الانقلابات والنكسات. أمام مصر فرصة سانحة للتعلم من تجارب تركيا وإندونيسيا والكثير من البلدان في آسيا وجنوب أوروبا وأمريكا الجنوبية؛ لإحداث تحوّل أسرع وأكثر ثباتاً نحو الديمقراطية.
ولتحقيق ما سبقت الإشارة إليه، فإن مصر تحتاج إلى قوانين انتخابات برلمانية ومحلية ورئاسية جديدة. وسيكون على المدى الطويل التمثيل النسبي أكثر ملائمة على المستويين البرلماني والمحلي لضمان تمثيل واسع لألوان الطيف السياسي الجديد في مصر.
أما على المستوى الرئاسي، لا بد أن تضمن القوانين الجديدة عملية انتخابية مفتوحة بمعنى الكلمة على أن يتم في الوقت ذاته بناء الخطوات التي تمكّن الأحزاب الجديدة والمرشحين من بناء قاعدة سياسية فعلية من خلال انتخابات حزبية أو انتخابات في كل منطقة. قد تستطيع مصر  تكوين لجنة وطنية عليا لصياغة قوانين انتخابية جديدة تتألف من خبراء مصريين في القانون والسياسة؛ لاستعراض الخيارات المختلفة وتقديم النصح بشأن أنسبها للمرحلة المقبلة.
الانتخابات تُعد أمرًا خاليًا من أي مغزى من دون وجود أحزاب سياسية فاعلة تستطيع عرض مطالب الشعب، وتقديم البدائل السياسية، وطرح المرشحين. وبعد عقود طويلة من الديكتاتورية، سيتطلب بناء هذه الأحزاب السياسية دعمًا أساسيًا من الحكومة الانتقالية في مصر ومساعدة كبيرة من المجتمع الدولي.
لقد أوحى شباب ميدان التحرير بظهور اتجاه جديد في العالم العربي، يرمز إلى المواطن والديمقراطية والحرية والتعددية والعدالة الاجتماعية. هؤلاء الشباب بحاجة لفرصة تتيح لهم الانتظام في حزب سياسي فاعل. في الوقت ذاته، فإن الأحزاب الأخرى الموجودة من قبل بحاجة أيضًا إلى فرصة لتقييم الواقع الجديد، وتجديد أجنداتها، والإعداد للانتخابات المقبلة.
أما بالنسبة للحركة المعروفة بأنها الأكثر تنظيماً في مصر، جماعة "الإخوان المسلمين"، فأمامها بلا شك الكثير والكثير لتدرسه من التجربة الانتخابية الغنية للحركة الإسلامية في تركيا. فقد أدرك الإسلاميون في تركيا منذ سنوات أن عددًا قليلاً فقط من الناخبين هم الذين تدفعهم الاهتمامات الدينية البحتة، وأن أجندة دينية ضيّقة لها نفعها، لكن ضررها أكبر من حيث أن الخصوم سيزدادون، وبالتالي، فإن حزب "العدالة والتنمية" التركي تجاوز الدين بحد ذاته كبرنامج سياسي. ورغم أن المعروفين بتدينهم الشديد يُشكّلون جزءًا هامًا من قاعدته، فإنه في الوقت ذاته يصف أجندته الاجتماعية والثقافية بأنها "محافظة" وليست دينية، علاوة على تطويره مجموعة كاملة من المواقف في شأن القضايا السياسية والاقتصادية الرئيسة التي تهم الشعب التركي. وعلى غرار الأحزاب الأخرى في الغرب اليوم، فإن حزب "العدالة والتنمية"، يحصل على أصوات قاعدة مقتنعة أيديولوجياً، لكن الأصوات التي تؤمّن له الأكثريات وتسمح له بالفوز في الانتخابات مستمدة من طيف واسع من الناخبين يختارونه بسبب سياساته في الحكم، لا بسبب أجندته الثقافية.
كيف تواجه مصر البطالة؟
ثالثا: الأولوية للتصنيع والتصديرً، وأخيرا فإن مصر تحتاج بحاجة لما كانت إليه تركيا قبلها من تعديل سياساتها الاقتصادية، والشروع في سياسة تصنيعية جادة يقودها الخبراء المعنيون. فبجانب المطالب السياسية التي طالب المصريون، كان هناك دوافع رئيسة وراء الاحتجاجات؛ تكمن في حالة اليأس التي أصابت الشباب بسبب البطالة وواقع الفقر المدقع والتهميش. إن سياسات التحرير الاقتصادي التي انتهجتها مصر منذ سبعينيات القرن الماضي لم تحقق سوى معدلات محدودة من النمو (4 – 5 في المئة)، ولم تقابلها معدلات مرتفعة في التوظيف. ويكمن السبب في ذلك إلى أن النمو دخل قطاعات معينة كالعقارات والأعمال المصرفية والسياحة والخدمات وغيرهم، والتي التي لا تُوفّر سوى وظائف محدودة أو ذات أجر زهيد.
وكما أدرك القادة من تركيا حتى الصين؛ فإن الطريقة الوحيدة للبلدان التي تضم عددًا كبيرًا من السكان للخروج في شكل حاسم من مشكلات التخلف الاقتصادي تتمثّل في التركيز على عمليتي التصنيع والتصدير. ومن دون شك، فأن هذه السياسة تشمل في طياتها التصنيع والتصدير الزراعيين، حيث أن القطاع الزراعي يغطي فئات واسعة من هذه المجتمعات. لقد تطورت تركيا بفعل سياسات التصنيع والتصدير، أما بالنسبة لمصر فإنها تمتلك وفرة في القوة العاملة وتتمتع بموقع استراتيجي، وهما عاملان يدفعان نحو  نجاح اقتصادي مماثل لتركيا، حيث أن الأخيرة لم تكن تختلف كثيرًا قبل عشرين سنة فقط.
لقد كشف المصريون عن إرادتهم في تغيير بلادهم. ما تم هو الأسهل، والآن تبدأ المهمة الأكثر تعقيدًا في تنفيذ تلك الإرادة على أرض الواقع في شكل مؤسسات سياسية واقتصادية واجتماعية دائمة. وتستطيع مصر خلال تلك العملية أن تستفيد الكثير من التجربة التركية الأخيرة، وليس من الأهمية بمكان أن تأخذها بكامل نواحيها، كما يمكنها الاستفادة من تجارب دول أخرى تأثرت بالثورة المصرية وفي نفس الوقت جاهزة لمد يد العون بالخبرة والمساعدة.
المصدر: 
http://www.onislam.net/arabic/newsanalysis/newsreports/islamic-world/129192-2011-02-26-13-44-31.html
2- أربكان الذي عرفته
السفير/ محمد والي
الجمعـة 04-03-2011


بدأت عملي في السفارة المصرية بأنقرة في سبتمبر 1977 وكان وقتها نجم الدين أربكان عَلَما بارزا في السياسة التركية إذ كان زعيم حزب: “السلامة الوطني” ذو الاتجاه الإسلامي؛ لكن معرفتي به بدأت في العام التالي 1978.

في ذلك العام، وصلت السفارة دعوة لشخصيتين تركيتين لحضور المؤتمر السنوي لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف. هاتان الشخصيتان هما: الشيخ/ علي أرسلان أيدين، والدكتور نجم الدين أربكان أو كما يسميه الأتراك: “أربكان خوجة” أي الشيخ أربكان.

أما الشيخ علي أرسلان؛ فقد عرفته قبل ذلك، وكان من أعز أصقائي في أنقرة، وهو عضو في مديرية الشؤون الدينية التركية، وهي التي تتولى الفتوى والإشراف على المساجد وتكوين الأئمة والخطباء. كان الشيخ علي قد تلقى تعليمه العالي في الأزهر حيث حصل على شهادة “العالمية من درجة أستاذ” (الدكتوراة) في أصول الدين. كان من المعتاد في الاتصالات الدبلوماسية أن توجه الدعوة إلى الخارجية التركية، وهي التي تخطر المدعوين، وقد تم ذلك بالفعل، ولكني أخطرت صديقي الشيخ علي أرسلان بالموضوع؛ فسألني إن كنت تحدثت إلى الدكتور أربكان في الأمر؛ فلما أجبته بالنفي، قال من الأفضل أن تتصل به. كان وقتها الدكتور أربكان نائبا لرئيس مجلس الوزراء، فاتصلت بمكتبه على الفور، وطلبت مقابلته، وفي نفس اليوم اتصل بي مكتبه، وقال إن الدكتور أربكان يدعوك لتناول الشاي معه عصر نفس اليوم في مكتبه بحزب السلامة. استقبلني الدكتور أربكان مرحبا، وأنا كنت أفهم التركية لكن لا أستطيع الحديث بها بطلاقة، وكان الدكتور أربكان لا يعرف من اللغات الأجنبية إلا اللغة الألمانية التي لا أعرفها؛ لكن يبدو أن الدكتور أربكان قد احتاط لهذا الأمر، فقد كان معه عدد من قيادات الحزب منهم أمين الشباب، ومنهم وزير التجارة/ حسن فهمي جونيش؛ الذي كان يجيد اللغة العربية؛ لأنه من مدينة ماردين على الحدود السورية، وهي منطقة عربية، وقد قام بالترجمة بيننا. شرحت للدكتور أربكان موضوع المؤتمر وهو الاقتصاد الإسلامي.

ربما أكون قد أسهبت بعض الشيء في شرح جوانب الموضوع، فاستشف أربكان من حديثي أني متخصص في الدراسات الإسلامية. وهنا بدأ نقاش هام حول موضوع الوحدة النقدية الإسلامية، للخروج من التبعية للتكتلات الاقتصادية الأجنبية، واقترح الدكتور أربكان البدء بإنشاء وحدة نقدية باسم “الدينار الإسلامي” تضم في البداية نواة من الدول الإسلامية المهمة لتشمل بعد ذلك باقي العالم الإسلامي.

تعددت اللقاءات بيننا بعد ذلك، وفي إحدى هذه اللقاءات وكان شهر رمضان على الأبواب، اقترح أربكان أن يدعو سفراء الدول الإسلامية على مأدبة إفطار ووجدت فيه اقتراحا مفيدا للغاية، وكان قد طبع بطاقات الدعوة من قبل؛ فأحضر بطاقة وكتب فيها اسمي؛ وكنت وقتها سكرتير أول السفارة؛ فقلت له: أنا لست السفير، ويوجد قبلي في السفارة وزير مفوض ومستشار فسلمني أربع بطاقات خالية لباقي أعضاء السفارة.

وفي يوم الدعوة توجه السفراء إلى مقر الحزب؛ حيث وجدوا أربكان واقفا في الشارع أمام المبنى في انتظارهم، وكل سفير معه سائق، وبعضهم معه حارس بخلاف السائق، فأصر أربكان على صعودهم جميعا لتناول الإفطار. منظمو الحفل أجلسوني بجوار أربكان، وبجواره من الناحية الأخرى سفيرنا في ذلك الوقت/ أحمد كمال علما. اعترض القائم بأعمال الأردن، وقال لي: إن هذا مخالف للبروتوكول الدبلوماسي، فقلت له نعم، لكن لا تنسى أن أربكان زعيم سياسي منتخب، والأحزاب السياسية لها بروتوكولها الخاص. المهم نجحت الفكرة، وانتقلت من حزب السلامة الوطني بزعامة أربكان إلى حزب الحركة القومية بزعامة ألب أصلان توركيش، وكان هذا الحزب ينادي بالرابطة القومية، لكنه لا يغفل الإسلام كعنصر أساسي للشخصية التركية؛ فالأتراك مثل العرب كانوا قبل الإسلام قبائل متنازعة لا شأن لها فارتبط ظهور الأتراك في العالم بالإسلام، بل إنك لتجد هذا واضحا في الفنون التركية حين يكون الرمز لتركيا هو الجامع والمنارة والمئذنة وصوت المؤذن.

كان شعار حزب السلامة الوطني هو المفتاح، وبالفعل كان أربكان وحزبه مفتاح السياسة التركية في ذلك الوقت؛ فقد كان في المشهد السياسي التركي أربعة أحزاب رئيسية: حزب الشعب الجمهوري برئاسة بلوند أجاويد – وهو الامتداد التاريخي للحزب الوحيد الذي حكم به أتاتورك، وحزب العدالة بزعامة سليمان ديمريل وهو امتداد للحزب الديمقراطي الذي أنشأه عدنان مندريس بعد نهاية عصر أتاتورك، وأعاد به الوجه الإسلامي لتركيا، وحزب السلامة الوطني بزعامة أربكان، وأخيرا حزب الحركة القومية بزعامة ألب أصلان توركيش. كانت نتائج الانتخابات لا تسفر عن فوز حزب واحد من هذه الأحزاب بأغلبية تمكنه من تشكيل الحكومة بمفرده، وكان لابد من تشكيل حكومات إئتلافية، ومن هنا كان حزب السلامة هو رمانة الميزان لتشكيل الحكومة بحيث يمكنه الاختيار بين أحد الحزبين الكبيرين: حزب الشعب أو حزب العدالة. وكانت هناك نكتة في تركيا – تعبر في الحقيقة عن هذا الموقف، يحكى أن سليمان ديمريل، وبلوند أجاويد، ونجم الدين أربكان، كانوا زملاء في مدرسة واحدة وفي فصل واحد فسأل المدرس سليمان ديمريل ماذا تحب أن تكون في المستقبل، فقال: أحب أن أكون رئيسا للوزراء، وسأل أجاويد فأجاب بنفس الإجابة أريد أن أكون رئيسا للوزراء ثم سأل أربكان فقال: أحب أن أكون نائبا لرئيس الوزراء، فقال المدرس ولماذا لا تكون رئيسا للوزراء مثل زميليك فقال لأنه سواء أكان هذا أو ذاك رئيسا للوزراء فسأكون على الدوام نائبا لرئيس الوزراء. لا زلت أحتفظ بالمفتاح الذي أعطاه لي أربكان في صورة مدالية كان يضعها أعضاء الحزب في عروة سترتهم؛ فقد كان هذا المفتاح سر منجزات أربكان.

فقد كان بإمكان حزب السلامة لترجيح الكفة أن يشترط حقائب وزارية معينة لتطبيق برامجه، وإن كان فكريا أقرب لحزب العدالة. كان أربكان يحرص على أن تكون معه وزارات التعليم والصناعة والتجارة كما كان حريصا على أن يمتد نفوذه إلى اتحاد الإذاعة والتلفزيون، وبذلك استطاع أن يحقق منجزات هامة منها: أن عدد مدارس الأئمة والخطباء منذ أنشأها عدنان مندريس في الستينات (وهي مدارس تشبه في مناهجها مدارس الأزهر الشريف) كان عددها 56 مدرسة، زادت في سنوات حزب السلامة الثمانية (1972/1980) إلى 340 مدرسة. وكان مندريس قد أنشأ كلية واحدة لأصول الدين في أنقرة أصبحت مع حزب السلامة 12 كلية في مختلف الجامعات التركية. منذ انقلاب أتاتورك اللاديني كان على الأتراك الراغبين في التعليم الإسلامي أن يتجهوا إلى مصر أو سورية أو العراق حيث كان تعليم الدين ممنوعا، وقد أعاد أربكان تعليم الدين إلى المدارس التركية العادية وحين احتج اللادينيون قال أربكان إن الشعب التركي مسلم ولا بد من أن يتعلم دينه في المدارس ومن لا يريد تعليم الدين لأولاده يطلب ذلك من المدرسة، وهذا أمر لا يحدث عادة وسط شعب متدين. ثم أصبح صوت المؤذن يسمع في الإذاعة والتلفزيون وتذاع الاحتفالات الدينية (يسميها الأتراك قنديل) على الهواء مباشرة.

ليس هذا فحسب بل إن أربكان هو مؤسس النهضة الصناعية الحديثة في تركيا – بالمناسبة أربكان خريج كلية الميكانيكا من أكاديمية الهندسة باستانبول، و مؤسس شركة (المحرك الفضي) وأول رئيس لمجلس إدارتها 1956/1963 وهي لا زالت أكبر شركة لصناعة محركات الديزل في تركيا، بالإضافة إلى قفزات هائلة في مختلف الصناعات. يؤثر عن أربكان قوله: إن صناعة المكرونة أو الشكولاتة ليست هي الصناعة التي نريدها؛ إنما نريد الصناعات الثقيلة، والآن تركيا تصدر المنتجات الصناعية إلى مختلف أنحاء العالم، وفي الصناعات الحربية تصنع سلاحها وتبيع الأسلحة وكافة الذخائر تصنع الطائرة كما تصنع الفرقاطة.

كانت المملكة السعودية تعطي أربكان طائرة خاصة لأداء فريضة الحج كل عام مع أركان حزبه، وفي عام 1979 دعاني أربكان للحج معه؛ فاعتذرت منه، وكان الموقف محرجا، خاصة وأن علاقات أربكان تلبدت مع السادات بعد توقيع معاهدة كامب دافيد وانتقاد أربكان لها.

لقد أسس نجم الدين أربكان أول حزب سياسي إسلامي في تركيا عام 1970 باسم حزب: “النظام القومي" قامت المحكمة الدستورية بحله عام 1971 بدعوى مناقضته للدستور اللاديني، فأنشأ في عام 1972 حزب: “السلامة الوطني".

اتخذ أربكان قرار غزو قبرص عام 1974 حين كان مشاركا في حكومة إئتلافية مع بلند أجاويد، ففي ذلك العام وقع في الجزيرة انقلاب عسكري وتم طردرئيس قبرص الأسقف مكاريوس، ونشطت العصابات المسلحة لقتل وترويع الأتراك، ومن المعلوم أن جزيرة قبرص تبعد عن الشاطىء التركي بخمسة وسبعين ميلا فقط وكانت تابعة للدولة العثمانية قبل هزيمتها في الحرب الكبرى الأولى، وبها جالية تركية كبيرة أو في الحقيقة سكانها إما أتراك أو يونان، واستيلاء اليونان عليها يجعلها مصدر تهديد خطير لتركيا. المهم هنا هو أن الولايات المتحدة أخذت الجانب اليوناني في النزاع حول قبرص رغم أن تركيا عضو في حلف شمال الأطلنطي (الناتو)، مما جعل تركيا تغلق قاعدة إنجيرليك الأمريكية شرق تركيا. ظلت هذه القاعدة مغلقة لأكثر من عشرين عاما ثم أعيد فتحها بشروط جديدة تجعلها تحت سيطرة تركيا.

في صيف 1980 قاد أربكان مظاهرة مليونية في مدينة قونيا (وسط الأناضول) لنصرة فلسطين و المسجد الأقصى، قال فيها: "إن قضية فلسطين لا تخص الفلسطينيين وحدهم ولا العرب وحدهم؛ وإنما هي قضية المسلمين جميعا".

ليسمح لي القارىء أن أتوقف هنا لأتحدث قليلا عن مدينة قونيا – والتي تشبه كثيرا مدينة طنطا وسط الدلتا، إذ كما ترتبط طنطا بالسيد البدوي، ترتبط قونيا بالشيخ جلال الدين الرومي، مع ملاحظة أن أربكان كان نائبا عن مدينة قونيا. مولانا جلال الدين الرومي هو محمد بن محمد بن حسين البلخي (نسبة إلى بلخ من بلاد ما وراء النهر/ أفغانستان حاليا) ولد في بلخ ولم يكد يبلغ الثالثة حتى غادرها مع أبيه إلى بغداد حيث نزل أبوه بالمدرسة المستنصرية ثم قام برحلة واسعة زار خلالها دمشق ومكة وملطية إلى أن استقر بقونيا وعمل فيها بالتدريس حتى وفاته عام 628 هـ، فخلفه في التدريس ابنه جلال الدين الذي عرف بالشيخ الرومي. من أشهر أعمال الشيخ الرومي أو مولانا جلال الدين "المثنوى" الذي يعتبر أضخم ديوان شعر في العالم إذ يضم عشرة آلاف بيت كل اثنين على قافية واحدة، وهذا هو سر تسمية الديوان بالمثنوي. ترجم المثنوي إلى اللغة العربية المرحوم الدكتور/ إبراهيم الدسوقي شتا، وصدر عن مكتبة مدبولي بالقاهرة.

الطرق الصوفية منتشرة في تركيا ولعبت أدوارا هامة في التاريخ العثماني، وكانت الطريقة البكتاشية أكثر هذه الطرق التصاقا بالعسكرية العثمانية، وفي عصور الازدهار كان يقيم إقامة دائمة بكل معسكر للانكشارية وكيل للطريقة البكتاشية مع عدد من المنتسبين لها (المريدون) يلعبون دورا هاما في التعبئة الروحية للقوات المسلحة، وفي الحملات الحربية يتقدم الشيخ (بالتعبير التركي بابا) وهو يصيح بأعلى صوته: "كريم الله" فيردد المريدون: هو هو. ومن ثم بدأت الحرب عليها مبكرا مع نمو حملات التغريب في عهد السلطان محمود الثالث، ولم تستقر هذه الحملات إلا بعد صراع دامي مع الانكشارية إنتهى بإبطال فرق الانكشارية وإبطال الطريقة البكتاشية معها. وبعد انقلاب أتاتورك ومحاولة فرض التغريب وإسدال الستار على ألف سنة من تاريخ الترك مع الإسلام أو تاريخ الإسلام مع الترك قضي أتاتورك بإبطال الطرق الصوفية جميعا.

الطريقة الوحيدة التي استعصت على الإبطال هي الطريقة المولوية (نسبة إلى مولانا الرومي) في قونيا ومن هنا تبرز قونيا باعتبارها المعقل الأخير للحضارة العثمانية، والشرارة الأولى التي انطلقت منها تلك الحضارة في ثوبها الجديد. في كل مدينة تركية يوجد تمثال لأتاتورك إلا قونيا، في تركيا هيئة حكومية تشرف على تماثيل أتاتورك؛ لكن قونيا استعصت عليها ما أن يوضع التمثال حتى يختفي.

من المعروف أن إسرائيل تستخدم حزب العمال الكردستاني كورقة ضغط على تركيا، ومن المعلوم تاريخيا أن المشكلة الكردية لم تظهر إلا بعد انهيار الدولة العثمانية التي لم تكن دولة قومية بحال ومن المعروف كذلك أن منطقة كردستان كانت معقل المقاومة لأتاتورك ومشروعه اللاديني ودارت معارك حامية في كردستان بين أتاتورك والحركة الإسلامية الكردية بزعامة الشيخ سعيد النورسي، والتي استمرت بعد النورسي في صورة طلاب رسائل النور، وهي رسائل في التوحيد ألفها الشيخ، وقد تحولت من حركة كردية إلى حركة تركية عامة لا يقتصر دورها السياسي على منطقة كردستان. أدرك أربكان جيدا أن المشكلة الكردية لا يمكن أن تحل إلا في إطار إسلامي جامع يتجاوز المفهوم القومي الضيق.

كل هذه النذر كانت كافية لتدفع الصهيونية العالمية بورقة الانقلاب العسكري، الذي قام به رئيس الأركان الجنرال/ كنعان إفرين في 12 سبتمبر 1980. هذا الانقلاب الدموي أدى إلى اعتقال أربكان وعدد من رجاله، كما أدى إلى مقتل واختفاء عدة آلاف؛ وبالرغم من ذلك فإن المكاسب التي تحققت على يد أربكان كان لا يمكن إلغاؤها، فبعد أيام حل موعد الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج، وكان الاحتفال يذاع مباشرة من مسجد السلطان محمد الفاتح باستانبول، وبعد التواشيح والأناشيد، قام إمام الجامع لإلقاء خطبته، وفي نهايتها دعى للإسلام والمسلمين، ثم لصاحب الجامع الساطان محمد الفاتح، ثم لمؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك، وهنا قذفه المصلون بأحذيتهم وقطع الإرسال، ولما سألت الشيخ علي أرسلان عن رأيه فيما حدث كان تعليقه: “إنه شيخ أرتيست".

خرج أربكان من المعتقل – بعد ثلاث سنوات - ليواجه حكما بحظر مشاركته في أي نشاط سياسي لمدة عشرة أعوام، عاد بعدها ليؤسس حزب: “الرفاه". دخل حزب الرفاه الانتخابات البرلمانية عام 1996 حيث حصل على أكبر عدد من المقاعد بالقياس للأحزاب الأخري، لكنه لم يتمكن من تشكيل الحكومة بمفرده. فتكونت حكومة ائتلافية برئاسة أربكان وبالاشتراك مع حزب الطريق القويم بزعامة تانسو تشيللر. لم يكمل أربكان عاما واحدا (تسع شهور بالتحديد) في رئاسة الحكومة حتى أنذره الجيش، وقام بانقلاب صامت عليه في 28 فبراير 1997. في هذه الشهور القليلة التي بقي فيها أربكان رئيسا للوزراء بدأ في المجال الخارجي تحقيق برنامجه في الانفتاح على العالم الإسلامي، فأعلن عن تكوين مجموعة الثماني الإسلامية التي تضم إلى جانب تركيا أكبر سبع دول إسلامية: إيران وباكستان وإندونيسيا ومصر ونيجريا وبنجلاديش وماليزيا. وقد اقترح أربكان أن تكون هذه المجموعة نواة تحقيق مشروع الوحدة النقدية الإسلامية (الدينار الإسلامي)، وهو المشروع الذي سبق أن ناقشه معي منذ ثلاثين عاما.

لم تكتف القوى اللادينية في تركيا بإفشال حكومة أربكان بل أقدمت على حظر حزب الرفاه عام 1998وتقديم أربكان إلى المحاكمة بتهمة مناهضة اللادينية، ومنعه من مزاولة النشاط السياسي لمدة خمس سنوات. لكن أربكان تمكن من إنشاء حزب آخر باسم: “حزب الفضيلة" بزعامة أحد معاونيه وهو محمد رجائي قوطان. وكما هي العادة تربص الملاحدة بحزب الفضيلة فقضت المحكمة الدستورية بحله في عام 2001.

بعد حل حزب الفضيلة نشأ حزبان إسلاميان في تركيا حزب السعادة برئاسة رجائي قوطان، وحزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان، وبعد المؤتمر الدولي الثالث لحزب السعادة عام 2008 انتخب البروفسور/ نعمان كورتلموش رئيسا للحزب. نشأ حزب العدالة عام 2002 من المنشقين على حزب الفضيلة والذين يعتبرون أنفسهم تيار التجديد، وهم لا يعتبرون أنفسهم حزبا إسلاميا مثل أحزاب أربكان ويسمون أنفسهم "العثمانيون الجدد".

كان رجب طيب أردوغان قد انضم إلى حزب السلامة الوطني بزعامة أربكان وبعد الانقلاب العسكري عام 1980 انضم إلى حزب الرفاه وانتخب عمدة لاستانبول على قوائم الحزب عام 1994 وفي عام 1998 اتهُم أردوغان بالتحريض على الكراهية الدينية مما تسبب في سجنه ومنعه من العمل في الوظائف الحكومية ومنها الترشيح للانتخابات العامة بسبب اقتباسه أبياتاً من شعر تركي أثناء خطاب جماهيري يقول فيه:



مساجدنا ثكناتنا قبابنا خوذاتنا

مآذننا حرابنا والمصلون جنودنا

هذا الجيش المقدس يحرس ديننا



عودة إلى أربكان، فبعد انتهاء الحظر المفروض عليه عام 2003 تربص به ملاحدة أنقرة ليقدموه للمحاكمة بتهمة التحريض على الكراهية ومناهضة اللادينية حيث حكم عليه بالسجن لمدة عامين، إلا أن وصول حزب العدالة والتنمية برئاسة أردوغان إلى السلطة – في نفس العام - مكنه من إلغاء عقوبة الحبس واستبدالها بتحديد إقامته في منزله، وبوصول عبد الله جول إلى سدة الرئاسة تمكن حزب العدالة والتنمية من استصدار عفو رئاسي عام عن أربكان وذلك في 18أغسطس عام 2008؛ لكن أربكان كان قد دخل مرحلة الشيخوخة (من مواليد 1926) وأصبح على كل حال طريح الفراش حيث دخل في صراع طويل مع المرض انتهى بوفاته في 27 فبراير 2011 في أحد مستشفيات أنقرة.

وهكذا رحل الفارس النبيل بعد حياة مليئة بالكفاح، نذر نفسه لخدمة الإسلام ولقي فيها حربا شعواء من ملاحدة تركيا، ومن الصهيونية العالمية التي حارب نفوذها في تركيا وحاول أثناء رئاسته للحكومة إغلاق محافلها من أندية الروتاري والليونز، وهو الذي سبق له أن قدم مشروع قانون إلى الجمعية الوطنية التركية عام 1980 يأمر الحكومة التركية بقطع علاقاتها مع الكيان الصهيوني، كما قدم في نفس العام مشروع قانون بحظر المحافل الماسونية في تركيا؛ ولعل هذا من أسباب الانقلاب العسكري عليه في نفس العام.

كان حصيلة الكر والفر بين أربكان وخصومه خمسة أحزاب إسلامية هي على التوالي: حزب النظام القومي، حزب السلامة الوطني، حزب الرفاه، حزب الفضيلة، وأخيرا حزب السعادة، هذا بالإضافة إلى انقلابين عسكريين أولهما في سبتمبر 1980 والثاني في فبراير 1997. بالرغم من كل الضغوط التي تعرض لها أربكان، فإن توجهاته الإسلامية واضحة لا لبس فيها، وأذكر أنه بعد نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية، وأثناء أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران، سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات اقتصادية على إيران. كان وزير خارجية تركيا وقتها خير الدين إركمان، ولم يكن قد صدر قرار بعد بشأن إيران، إلا أن وزير الخارجية التركي صرح بأن تركيا سوف تلتزم بهذا القرار فور صدوره. بطبيعة الحال لم يكن هذا في مصلحة تركيا حيث أن أكبر تعاملات اقتصادية خارجية لتركيا كانت مع إيران (كانت في ذلك الوقت ٣٧٪ من حجم التجارة الخارجية التركية) هذا بالإضافة إلى أن تركيا تستفيد من عبور البضائع عبر أراضيها وموانيها من وإلى إيران، هذا إذا نحينا اعتبارات التضامن الإسلامي جانبا. هنا انبرى له أربكان وحزبه، ولما رفض الوزير تقديم استقالته، طرح أمره على الجمعية الوطنية التي أقالته من الحكومة (عام 1979).

بالنسبة لي أنا على الأقل، فإن أربكان شخصية لا تنسى، تشعر معه بألفة غريبة وكأنك تعرفه من سنين، بل وكأنك تعرفه من قبل أن تراه. وليس هذا غريبا ففي الحديث: “الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف" (البخاري من حديث عائشة، ومسلم من حديث أبي هريرة واللفظ له). وبالنسبة لملايين الناس في تركيا وخارجها سيظل أربكان رمزا لنضال مستمر وأملا في مستقبل أفضل “فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ" )١٧/الرعد-١٣(. 
المصدر:
http://www.almitro.com/11/2389.html

Saturday, February 26, 2011

إنشاء ائتلاف من المرشحين لمجلسى الشعب والشورى ليكونوا مرشحى ائتلاف شباب الثورة


          لست منتميا لحزب ولا لحركة سياسية، لكننى مثل شباب الثورة لم أجد فى سياسة الحزب الوطنى خيرا، بل إن تآلف المتعارضين تحت رايته لمصالحهم أو لمواقعهم الوظيفية، ملتفين حول شخص الرئيس كانت شبيهة بالاتحاد الاشتراكى فى زمنه. أعلم أنكم تريدون حل وإلغاء الحزب الوطنى، كما أدرك أن الجيش لن يقدم على خطوة بهذه الثورية، كما أن منهم من يعتمد على ارتباطات عائلية وخدمات فى دائرته، حتى وإن دخل مستقلا، وبعضهم رجال أعمال لهم مصالح من الحصانة واستمرار تزاوج رأس المال بالسياسة. لذلك فهم يجتمعون الآن لإعادة الصفوف وتنظيمها ولهم هدفه الذى يعرفونه جيدا: مقاعد البرلمان.
          لذلك كله أجدنى مهتما بأن أوصل رسالة هامة للغاية لثوار 25 يناير وائتلاف شبابهم.
لا بد من عما ائتلاف من مرشحى مجلسى الشعب والشورى يدعمهم ائتلاف شباب الثورة، لتحقيق تطلعات الشعب المصرى من الثورة.
وهذا الائتلاف هدفه الآتى:
1.    توحيد الصفوف بين جميع التيارات مثلما اجتمعوا فى أيام الثورة على هدف رحيل مبارك.
2.    ليس هناك وقت لعمل تنظيمات جديدة وأحزاب سياسية فى الستة الأشهر التى يريد الجيش أن يسلم السلطة خلالهم لرجال مدنيين لقيادة البلاد، ثم إحداث التغييرات الجوهرية التى يحتاجها نظام البلد حقا. وربما يكون هذا مفيدا لقلة هذا الوقت فى أن يؤخذ فيه قرارات مصيرية فى سياسات رسخت لعقود، يمكن تغييرها فى المرحلة السياسية القادمة من خلال الإصلاح التشريعى من المجالس النيابية.
3.    تفتيت الأصوات يخدم بالتأكيد مرشحى الحزب الوطنى أو من شابههم من أصحاب المصالح الضيقة الذين لن يقدموا أو يؤخروا سياسيا فى المرحلة التى نعيشها، ونزول رموز المجتمع والأحزاب والجماعات السياسية أمام بعض فى هذه المعركة هو خسارة للجميع، وثورة مضادة بأيدى الثورة.
4.    ليس التغيير من خلال المظاهرات المليونية فقط، وحتى لو استمرت حتى نهاية الستة أشهر، فإن الاندماج فى السياسة وتشكيل المشهد السياسى المصرى أمر لا بد منه فى كل الأحوال.

قراءة نقدية لمقال خطير خطير خطير


بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم
تذكرت بعدما قرأت هذا المقال وشدنى بدرجة كبيرة، أمر القراءة النقدية التى نُصحنا بها حينما حدثونا عن التعليم الجيد، وطرق القراءة الواعية، فأخذت أتدبر محتويات هذا الخطاب الذى لم يكن الأول الذى يضخم من بقايا النظام، وهذا أمر له وجاهته ولا شك، ولكنه فى هذه الخطابات يسعى لزرع اليأس من إمكانية انتصار الثورة، بل لعله يجعل الهزيمة النفسية منتشرة لفترات طويلة مثلما قيل عن أثر حرب الأيام الستة على العرب لسنين متوالية بعدها، ربما كان الاستثناء فيها أيام حرب رمضان المجيدة وما وازاها من اعتصام ووحدة لا تظهرإلا ساعة الشدائد.
          لذلك وجدت عقلى يدفعنى لكتابة هذه الملاحظات ليتدبرها من استطاع استكمال المقال الطويل، وأنا أرجو من الله أن يهدينا جميعا للحق:
1.    التشكيك فى ولاء الرؤساء والملوك له تاريخ طويل، يرتبط حينا بالتحالفات، وحينا بأعمال المخابرات، ولعل أشهر هذه الادعاءات هو ارتباط جمال عبد الناصر بالمخابرات المركزية الأمريكية، وهو أمر أسعد أعداؤه ولا شك، كما شكك البعض فى ولاء السادات واحتسبه عميلا لأمريكا أيضا، ربما لأنه قام بالتحول عن مسار عبدالناصر بشكل شبه معاكس.
 لكن هذا الادعاء يرسخ معنى نظرية المؤامرة بمنطق تضخيم حجم الأعداء لدرجة أننا لن نستطيع مواجهتهم أبدا.(هذا المعنى رفضه المسيرى فى أحاديثه الطويلة حول الصهيونية واليهود واليهودية، رافضا ان يكون التفسير المرتبط باليهود أن يكونوا هم مصدر جميع المؤامرات الدولية مما يعطيهم قوى خارقة تقتل فى نفوس الكثيرين الهمة والدافع على الحركة). وهو أمر إن ثبت يحتاج لأدلة قوية لا تقف عند مجرد الظنون، قال تعالى: ((إن الظن لا يغنى من الحق شيئا)), كما أنه يوقف الإنسان عن استكمال إيمانه بقيومية الله وقدرته فوق كل العالمين، والذى يتضح بخاصة فى أمر الملك والسلطان بقوله تعالى: ((قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير))، وهو تصديق ما شاهدناه بأمهات عيوننا، حينما هرب زين العابدين من تونس، وتخلى أو تنحى مبارك فى مصر، وبكل تأكيد سيتبعهم غيرهم بإذن الله الذى يمهل ولا يهمل.
2.          هذا هو المقال الثانى الذى يستقى معلومات من ضابط بالحرس الجمهورى يحتوى معلومات وتحليلات (وهما يختلفان فى قوة حجتهما)، عن مدى انتشار الفساد وتغلغله، وهو أمر حقيقى وإلا لما كان الله دمر دولا قوية بهذه الطريقة، وهذا الفساد وشبكات المصالح موجودة بشواهد ودلائل كثيرة، ولا تهدم بمجرد معرفتها، بل تحتاج حربا مستمرة لإرجاع التشريعات لأصولها المعهودة والتى يجب اتباعها، لكن رؤية هذه الشبكات عن قرب يجعلها كبيرة فى أعين القريبين، وضخمة بما يصعب زوالها فى أعينهم، ولعل ابتعاد القائمين بأى ثورة يحميهم من هذا التصور المخيف.  لقد خاطب الله نبيه عن معركة بدر الكبرى بعدها بقوله: (( وإذ يريكموهم إذ التقيتم فى أعينكم قليلا ويقللكم فى أعينهم ليقضى الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور)) الأنفال 44
3.          قول هذا الكاتب أنه معه من المال الحلال ما يكفيه وأحفاده مدى الحياة، برغم عمله فترة طويلة مع هؤلاء الناس المشكوك فيهم. ويدعى أنه لا يستطيع إيضاح الكثير لكى لا يتعرض للانتقام إذا عرفت شخصيته الحقيقية، رغم أنه تحدث عن صفقة سياحية اعترض عليها جرانة وهو ما قد يعرضه لانكشاف شخصيته بالفعل.
 كما أنه ختم الخطاب بتعريف نفسه بأنه لاجئ سياسى، وهؤلاء اللاجئين يحملون معلومات حقيقية وهى منتشرة فى الخطاب حقا، لكنهم أيضا ينزعون إلى تكوين آراء وتحليلات تحمل تطرفا إما مع أو ضد، بشكل يزيد حتى عن الثوار أنفسهم، لما صادفهم فى تجربتهم التى تجعلهم خرجوا من المأزق المميت بأعجوبة، بعد أن كانوا فى فك الأسد.
4.          يخاطب الكاتب الشعب المصرى بعدم تصديق أى من وسائل الإعلام فى الموالاة والمعارضة، وهو لأنهم جميعا كانوا جزءا من خطة المعارضة الوهمية، وهو عودة لفكرة نظرية المؤامرة ولكن هنا التى تشكك فى الجميع ليصبحوا سواء، وهى إحدى ألاعيب النظام السابق مع المعارضين. صحيح أن الصحفيين كانوا يحملون علاقات مختلفة لحمايتهم واتخاذهم مصادر، ولكن كثير من المعارضة الوهمية هذه كانت سببا مباشرا فى ازدياد الضغط تحت الحلة التى كنا نعيش فيها ويتعجب من فارقها، كيف نصبر برغم ما يروه معنا فى برامج مثل العاشرة مساء وغيرها.
وأنا أدعو الجميع، وقد فعلنا هذا خلال الأزمة بل وقبلها، باستخدام عقله النقدى للقبول والرفض من الجميع وتكوين صورة متكاملة من جميع القصاصات المختلفة التى تجمعها من جميع المصادر.
 وكانت النتيجة لاستخدام المصريين لعقولهم وأبصارهم أن تقبلوا فساد النظام السابق ثم انتوى بعضهم تغييره بالاعتصام السلمى، فهل هذه كانت جزءا من مؤامرة ابراهيم عيسى ومصطفى بكرى أيضا،
ثم ألم يكن التفكير النقدى فى مقارنة وسائل الإعلام المتعددة سواء فى الانترنت أو فى الفضائيات المختلفة مصرية وعالمية وعربية (وكان تعددها وسيلة قوية للمقارنة)، خلال الثمانية عشر يوما، هو وسيلتهم فى كشف كذب الإعلام الرسمى لدرجة الإحساس بأنهم يتحدثون لسكان مصر فى السبعينيات.
5.          بالنسبة للجيش، ربما يكون هناك معلومات صحيحة، لكن الأمر لا يتوقف فقط على التسليح، لكن الروح المعنوية التى لم تعتمد فى الجيش المصرى لا على الارتزاق، ولا على عقيدة الحرب ضد الإرهاب، بل اعتمدت على حماية أمن مصر من مخاطر ليس اقلها التهديد الإسرائيلى الذى لم يفارق خبرات العسكريين، ولعل نموذجا مثل الشاذلى رحمه الله والذى نجا بفرقته وحارب خلال أوامر الانسحاب من سيناء خلال نكسة 1967، ومعركة رأس العش، بل واستخدام القذائف المضادة للدبابات والطائرات بواسطة مقاتلى المشاة فى حرب أكتوبر هى نماذج لانقلاب الميزان الذى يحكم به على الأحداث، وهى أمور يثبت الله بها المؤمنين لكى لا يصوا لمرحلة اليأس والتى يتمناها أى عدو لأعدائه، وبالطبع يتمناها الإسرائيليين للمصريين بالخصوص.
6.          إذا كان المدعو قد ابتعد عن الصورة بذهابه لأمريكا كلاجئ، فمن أين أتى بخطة مارس 2011، التى تريد وضع عمر سليمان على عرش مصر، وإن صحت فهذا مثال على قدرة الله الغالبة، والتى أحرقت أسهم عمر سليمان فى أقل من أسبوعين، ليمضى مع مبارك خارج الإطار، إلى غير رجعة بإذن الله. صدقت إذا حينما قررت أنهم يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.
7.          بالنسبة لةقةع أمريكا مع إسرائيل، فربما يدرك كثيرون أن إسرائيل قد وصلت خلال عملية السلام إلى الكثير والكثير مما أرادته خلال النظام السابق، وأنها تستعد لمحاولات هدم الأقصى وإحاطته بالمستعمرات وتهويد القدس، وبناء الهيكل الثالث بالقدس. ولعل الله قد أراد لها إن تقف قليلا عن غلوائها التى لم يعد يوقفها حتى الفلسطينيين فى أريحا، ولو من خلال تغير المعادلة وعدم وجود نظام توقف حتى عن التنديد بأفعالها، رغم أن المصريين لديهم من المشاكل ما لو فرغوا له لالتهوا عن إسرائيل سنينا.
8.          لا أستطيع تصور خطة مصرية أمريكية مشتركة لاحتلال العراق مهما بلغت سفالة بعض عناصر النظام، فهو إن لم يعد خطأ إستراتيجيا للأمن القومى لمصر، فسيكون واضحا للعراقيين الذين لم يكونوا جيشا ورقيا بالتأكيد.
9.          فى النهاية أرجو أن يدرك جميع أبناء مصربعض أمور:
a.     أن اختيار الديمقراطية ليس نهاية المطاف بل هو البداية لكفاح آخر لاستخدام وسائل الديمقراطية لتحقيق مصالح مصر والمصريين فوق المصالح الشخصية والتى يصل إليها حتى بعض المجاهدين إن هم ركنوا للراحة واستلمتهم فرق النفاق وتصنيع الفراعنة، بل وفى الديمقراطيات إن قلت قوة المحاسبة ونزع الناس لتقديس الرجال، لا احترام المواقف وتثمينها.
b.    لن يصل المصريون لكل ما يريدون دفعة واحدة، بل يجب أن يبدأوا بالإطار الصحيح، والذى قد يأخذ مع زيادة القدرات الديمقراطية بإيجاد تعديلات لدولة برلمانية، قد يأخذ بضع سنوات مع ازدياد قوة الأحزاب والقوى السياسية التى تحتاج حقا للنضوج فى بوتقة الثورة التى سيستمر مسارها فى هذا الإطار السياسى، كما سيظهر فى مشاركة ونبوغ أبنائها أبناء مصر فى المجالات المختلفة علما وأدبا وفنا وتقدما فى الزراعة والصناعة والخدمات.
c.     لا توجد ثورة تنجح بنسبة 100% أو تفشل بنسبة 100%، وهذا يعتمد على جهد وكفاح أبنائها ووعيهم، وعدم الانسياق لأفكار تأخذهم للتطرف الذى قد يقضى عليهم، فقد أصاب ثورة 1952 هذا الخوف المرضى من المؤامرات حتى أنهم رفضوا وجود معارضة، وأخذوا يعدون العدة لمواجهة أى تدخل خارجى، فأدخل بعضهم بتقادم الثورة العنصر الخارجى بأيديهم حتى أنهم ظلوا يقولون لنا: القوى الخارجية، ونحن نعلم بأنهم يقومون بالتعاون مع هذه القوى الخارجية أكثر من أى طرف مشتبه فيه، فانقلبت دعواهم عليهم، وذاقت دولتنا العسكرية من نفس الكأس الذى جرعته لمعارضيها.