Saturday, August 17, 2013

انتظر الأعجب

حينما كنا صغارا غزت العراق الكويت، وتفرجنا على الصواريخ ترمى من الطائرات فى الCNN مثل الأتارى، وكنا صغارا لا نعى مغزى هذه الحرب على العراق لتحرير الكويت، وحينها سمعنا من مفتى الجمهورية آنذاك د/ محمد سيد طنطاوى، أننا حاربنا مع الكويت لرد الفئة الباغية مصداقا لقول الله تعالى :"وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفئ إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا، إن الله يحب المقسطين. إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون".
ومرت الأيام ورأينا قصف بغداد فى التلفزيونات لما ظهر الدش والأقمار الصناعية، ثم سقط البرجان فى نيويورك، واندهشنا بشدة، فقد ظننا أنها إما حربا كبيرة ستثيرها أمريكا أو دمار كبير سيصيبها، وانجررنا خلف قراءة علامات القيامة الكبرى، وقصفت أمريكا أفغانستان واحتلتها، ثم العراق بدعوى النووى وخلافه وأخذنا نقرأ عن أن صدام هو السفيانى ومن يحسب عمر الأمة الإسلامية على أنه قارب الانتهاء.
ثم مرت بنا سنوات طويلة مملة - أسمتها أمريكا سنوات الحرب على الإرهاب- حتى أتت الأزمة الاقتصادية العالمية، وبدأ بوش الابن يخرج من عليائه التى بناها مع المحافظين الجدد لنفسه، ومضى وأتى رجلا أسودا من أصل مسلم ليحكم أمريكا، فتعجبنا أكثر، واتى مصر ليمد يدا للعالم الإسلامى الذى رأى أن أمريكا تظلمه وتعامله معاملة لا تليق، فسمعنا الخطاب، وانبهر به الخليجيون بأكثر مما ينبغى وأحبط منه الفلسطينيون بأكثر مما ينبغى، وبعد عام أو يزيد علمنا أنه كان استهلاكا إعلاميا لا يسمن ولا يغنى من جوع، ثم بعد كل هذا وبعد أن صور أحدهم عمائر القاهرة مقصوفة فى غزو أمريكى فى فيلم (ليلة سقوط بغداد) واعتبر هذا قدرا مقدورا وآت لا محالة.
ثم فجأة وفى وسط هذا الركود الممل، رأينا رجلا من المشهورين بالجبروت فى الحكم والعقلية الأمنية القوية والعلمانية المتطرفة وهو زين العابدين بن على يهرب بالطائرة فلا يجد ملجأ لا فى فرنسا ولا قبرص ولا تقبله إلا السعودية. حينها أخرج المصريون والليبيون واليمنيين والسوريين وغيرهم ما فى قلوبهم من إحباط ممن يحكمونهم ومن الأمريكيين الذين لم يخففوا من غلواء حكامهم الموالين لهم، فانفجروا ليسقطوا حكامهم، وسجن واحد وقتل واحد وحرق واحد وبقى واحد ليحارب فوق بحر من الدماء.
كلما مر حدث كنت أظنه أعجب حدث مر بى، فإذا الحدث الذى يليه أعجب منه، كأننا حقا على أعتاب يوم القيامة، لكن المتنبئين يعجزون عن أن يتنبؤوا بالحدث العجيب القادم. لا تتوقف عن التفاؤل فإنه:"لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون"، لكن لا تتعجب كثيرا فنحن حقا فى زمن العجائب، ولعله قدر جيلنا.

Saturday, August 10, 2013

سيناريو الحرب الأهلية


لدينا فريقان، اقتنع كل فريق منهما أن الفريق الآخر عميل لأمريكا وإسرائيل، فالإخوان يرون الجيش الذى يأخذ معونة أمريكا العسكرية ويسالم إسرائيل يعمل لمصالحهما- ويتعامون عن مصالح الجيش المباشرة لأسباب الاستحواذ على السلطة أو حتى الدفاع عن مصالح مصر- والجيش والمخابرات يريا الإخوان منظمة عابرة للدول وتسعى للاستحواذ على الحكم بنفس معادلة السلطة المطلقة الموجودة فى النظام السابق، وفى سبيل ذلك يتفاهمان مع أمريكا بل وإسرائيل للوصول لدولة الخلافة الإخوانية – ويتعامون عن حقيقة أن هذه الخلافة لن تروق لأمريكا وستهدد مصالحها.
 حتى عبد الناصر الذى اخترع وأحيا القومية العربية، بل وعدم الانحياز ليتسلل من بين ثنايا رومانسية فكرة الخلافة وقدرة الرمز على الوصول فى زمانه الحديث للجماهير العربية والعالم من حولنا، مع حرصه على بناء القدرات الخاصة لمواجهة التحديات الكبيرة، والتعامل بالمهادنة والاستعداد والحرب أحيانا، وبالاتحاد أيضا، قرأه الطرفان بعين واحدة فقط، فرآه الإخوان دكتاتورا ظلمهم كرها للإسلام، ورآه الجيش دكتاتورا أيضا يحرص على مصالح دولته العليا فيقاتل الذين ينازعونه لضيق أفقهم، حتى يستطيع أن يحقق مراده لبلاده، دون مراعاة لتغير العدو الصغير لعدد كبير وتنوعات مختلفة، وازدياد الطلب على فكرة الخلافة الرومانسية أكثر من ذى قبل لتعويض ضياع الوحدة العربية، بل وتناسى الطرفان أن كليهما يريد سلطة مطلقة ويعمل فى ظل سمع وطاعة مطلقتين.
الإخوان أكثر التزاما بمبادئ عريضة فى فكرة الوحدة الإسلامية دون أن يتمكنوا من تطوير وسائل ناجعة فى زمان متطور، والجيش يملك وسائل أفضل وأحدث لكنه يؤثر الحديث عن الوطنية بين جموع الشعب ويخادع الغرب باستنكار الحديث عن الإسلام – رغم أنه يتشبث به فى معاركه الكبرى مثل أكتوبر 1973، وانظر للآيات المزينة لمعسكرات الجيش جميعا من قبل الشؤون المعنوية.

 وبعد وفاق قصير لعامين ونصف، وأخطاء متبادلة من كلا منهما لأنه لا يثق بالآخر، تحول السلام القصير لحرب إعلامية ووضع معقد، يؤدى لتصور أن سيناريو الشرق الأوسط الكبير وجد ضالته فى نزاع يقسم البلد الموحد منذ مينا إلى رأيين يمكنها الانقسام عليهما، وحزبين يتنازعان السلطان لا يقتسماه، فهل نحن على شفى حفرة من النار و على عتبة حرب أهلية. ربنا يستر.

حركة التاريخ

لن يمنع أحد بالفعل حركة التاريخ، هو بس فيه شوية زرجنة فى مصر لأن مجموعتان تظنان أنهما يحركان التاريخ منفردين برغم مجيئهما متأخرين بخطوات: بين استخدام وسائل ناجحة وبين استخدام مبادئ ناجحة، وللأسف بدلا من التعاضد والاتحاد للمضى نحو المستقبل، نقف سدا فى وجه شعبنا بالتنابذ والتقسيم، ولعله من حركة التاريخ أيضا أن يلتقى المختلفان ليحكم الله بقدره بينهما، من السابق الذى تدول دولته لأن رصيده قد نفذ، ومن المستقبل الذى سيأتى لاحقا، ومن الذى لا يزال فى رصيده القدرى زمنا باقيا، ومن اللذان يمكن أن ينهكا بعضهما ليأتى طرف ثالث ليرثهما معا. ليست كل المعارك لها نتيجة واحدة إما النصر أو الهزيمة: أحب أن أفاجئكم بأنها أحد أوهامنا الطفولية الجميلة، فبعض المعارك مجرد تأجيل لقدر الهزيمة النهائية وبعضها هزيمة تودى بالطرفين، وأحيانا إن خلصت النوايا يستطيع الطرفان الخروج بالنجاح لكليهما طالما اعترفا بأن لكليهما رصيدا يسمح بالاستمرار. والله من وراء القصد.

البرادعى يأتى متأخرا مرة أخرى

لم أعتقد أن البرادعى عميلا مثلما لم أقتنع بالنظر للإخوان على أنهم مجرد متآمرين. خلينا فى البرادعى، اقتنعت أنه يأتى متأخرا وهذا فى السياسة أمر ضار جدا – وللأسف وقع الإخوان فى خطأ ترك زمام المبادرة. من أتى بزمام المبادرة هذه المرة كان السيسى والجيش من خلفه، ليقوم بتطبيق نظرية البرادعى عن خطة طريق يقوم بإتمامها مجلس رئاسى. بتقول مجلس رئاسى؟ آه، اكتشفتها بالصدفة لما قريت خبر صلاة العيد فيه 4 أسماء بدلا من اسم واحد.
المجلس الرئاسى المقترح كان يضم:
1-   شخصية قضائية، وبالتحديد رئيس المحكمة الدستورية العليا: عدلى منصور
2-   شخصية عسكرية: وزير الدفاع القائد العام: الفريق السيسى
3-   شخصية من التيار الليبرالى: البرادعى
4-   شخصية من التيار اليسارى: اعتبرها البعض الببلاوى الذى له علاقة بالحزب الديمقراطى الاجتماعى ونائبه من هذا الحزب زياد بهاء الدين
5-   شخصية من التيار الإسلامى: دائما ما كان يطرح اسم أبو الفتوح، وهو من أكد أن عدلى منصور أخبره عن اتخاذ قرارات جماعية، لكنه استبعد بعد ذلك، والمشكلة أن الشخصية التى يريدها أنصار التيار الإسلامى لتمثلهم هو مرسى نفسه الذى اكتسب شرعيته بوصوله لمنصب الرئاسة.
التيار الإسلامى الذى يزعم أن معه الأغلبية ويحارب من أجل الشرعية، يمكن أن يستبعد من خطة البرادعى فى ظل انقسام حقيقى، سأعتبره بنسبة 70%:30%. فهل سيكون هذا فى مصلحة هذه الخطة الرائعة.

الظاهر أن البرادعى ومن اقتنع بفكرته (السيسى) وصلا متأخرين مرة أخرى.

الكراسى الموسيقية


من أعجب الأشياء التى وصلنا لها أن سلطتان فى مصر لكل منهما احترامه وقوته على الأرض وفى الأمر الواقع وفى دهاليز الحكم اضطرتا للجوء لدولة عظمى للوساطة والحكم بينهما. لا يهمنى من البادئ لكنه يدل لعى أننا لا نستطيع التفاوض والتصالح داخليا بقدر رهيب. ألا يذكرك هذا الموقف بما كان عليه حال المصريين بين ملك لا يحب أن يشاركه فى الحكم حزب الوفد الشعبى ذو الأغلبية، والذى حكم فقط 5 مرات فى 32 عاما، بل وحل الملك مجلس النواب بعد 8 ساعات فقط من انعقاده لاختيار رئيسه سعد زغلول، ومع الأسف كان الدستور يعطيه هذا الحق، فليست المشكلة فى توازن السلطات فى الدستور، بل فى الحماقة فى استخدام الحقوق.
اختلف الملك والوفد، فظل الوفد تزور ضده الانتخابات طالما ليس لهم أهمية بضغط الشارع أو للتفاوض مع الإنجليز على معاهدة يمكن للإنجليز تطبيقها حقا – مثل معاهدة 1936، قبل الحرب العالمية الثانية، بل واضطر الإنجليز لمحاصرة قصر عابدين للإتيان بالنحاس زعيم الأغلبية على أسنة الرماح، وهو ما جعل المصريون يعيشون عقدا من 42 وحتى 52 كانت نهايته زوال الملكية والأحزاب وجلاء الإنجليز وظهور قوة جديدة لترث الصراع الدائر بين القوتين الأكبر فى الحياة السياسية المصرية.
أثناء هذا الصراع ظهرت طرقا سلمية ومظاهرات وغيرها من الفعاليات السلمية، كما ظهرت فعاليات عنيفة مثل العمليات ضد معسكرات الإنجليز والاغتيالات السياسية. فى يوم من ذات الأيام توهم زعيم وفدى اسمه أمين عثمان بأن المجاهرة بصداقة الإنجليز أمر محمود، فصرح أن العلاقة بين مصر وانجلترا مثل الزواج الكاثوليكى، فتحمس مجموعة من الشباب لقتله، وكان أن قتل اغتيالا، وكان من بينهم ضابط فى الجيش يسمى أنور الساداتى، وقد رفد من الجيش وحوكم، ثم دارت الأيام واستطاع أن يأخذ عفوا ملكيا ويعود للجيش، بل ويشارك فى انقلاب 1952 ضد الملك الذى احتضنه الشعب وقبله فأصبح ثورة يوليو التى سعت لإنشاء نظام جديد كامل. الحكام الجدد كان الباشوات يكرهونهم وينعتون زعيمهم ناصر بابن البوسطجى، وطبعا أن يأتى بعد ناصر رجلا أسمر البشرة مثل السادات وقد كان من المختفين فى داخل نظام ناصر – لا يجهر بآرائه الخاصة- لكنه تولى الحكم بعد موت ناصر وحارب إسرائيل التى احتلت سيناء وتفاوض معها، وقال قولة تشبه قولة أمين عثمان الذى شارك فى قتله بالمساعدة، قال عن أمريكا حينما حاول التفاوض مع إسرائيل: إن 99 من أوراق اللعبة فى يد أمريكا، وبعد سنوات قليلة مضى فى معاهدة للسلام كانت صادمة لبعض مواطنيه، وبالطبع منهم الشباب، فتآمر ضده مجموعة لاغتياله ونجحوا، وحبس منهم مجموعة ظلت سنوات طويلة فى السجن، حتى خرج منهم من أصبح رئيس حزب سياسى.
هل هناك مكان لا يمكنك أن تصل إليه، وتعاقب بنفس العقاب الذى طرحته من قبل.
فليتذكر السياسيون من جبهة الإنقاذ أنهم كانوا فى الميادين يعتصمون ويعيبون على مرسى الكثير، وقد جلسوا فى نفس الكرسى الذى جلس فيه من قبل الإخوان مع المجلس العسكرى بقيادة طنطاوى، فهل سيتحملون ما سيجدونه فى الضفة الأخرى من النهر بعد أن عبروه؟؟؟
ربما كان طريفا أن نسأل مثلا: ماذا سيكون موقف الجبهة لو كسب الدستور القادم ب52% فقط، هل سيصروا على إعادته لأننا نحتاج لتوافق بنسبة الثلثين فى بلد منقسم!!!

حقا: كل شئ هالك إلا وجه الله