شباك على الترعة
فى مصر يمثل النيل بفروعه مصدر الحياة والإلهام، تغنى به الشعراء و هام به الغرباء. و لفروعه الصغيرة و ترعه مسارات عديدة تقطع مصر من أقصاها لأقصاها، بل إن القاهرة العامرة بها شوارع كثيرة تسمى بالترعة مثل الترعة البولاقية و ترعة الزمر و المريوطية و غيرها. من أجل ذلك أدعو المصرى و المحب لمصر أن يشاركنى فى فتح هذه النافذة على الترعة أيا كانت مترعة بالماء الزلال أم لوثت مياهها أيدى العابثين أم حتى ردمت وأصبحت فى خبر كان و ما عادت سوى ذكرى لما مر فى نفس الموقع بالأمس
Monday, August 14, 2017
Saturday, August 17, 2013
انتظر الأعجب
حينما
كنا صغارا غزت العراق الكويت، وتفرجنا على الصواريخ ترمى من الطائرات فى الCNN
مثل الأتارى، وكنا صغارا لا نعى
مغزى هذه الحرب على العراق لتحرير الكويت، وحينها سمعنا من مفتى الجمهورية آنذاك
د/ محمد سيد طنطاوى، أننا حاربنا مع الكويت لرد الفئة الباغية مصداقا لقول الله
تعالى :"وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما
على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفئ إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا
بينهما بالعدل واقسطوا، إن الله يحب المقسطين. إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين
أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون".
ومرت الأيام ورأينا قصف بغداد فى التلفزيونات لما ظهر الدش والأقمار الصناعية، ثم سقط البرجان فى نيويورك، واندهشنا بشدة، فقد ظننا أنها إما حربا كبيرة ستثيرها أمريكا أو دمار كبير سيصيبها، وانجررنا خلف قراءة علامات القيامة الكبرى، وقصفت أمريكا أفغانستان واحتلتها، ثم العراق بدعوى النووى وخلافه وأخذنا نقرأ عن أن صدام هو السفيانى ومن يحسب عمر الأمة الإسلامية على أنه قارب الانتهاء.
ثم مرت بنا سنوات طويلة مملة - أسمتها أمريكا سنوات الحرب على الإرهاب- حتى أتت الأزمة الاقتصادية العالمية، وبدأ بوش الابن يخرج من عليائه التى بناها مع المحافظين الجدد لنفسه، ومضى وأتى رجلا أسودا من أصل مسلم ليحكم أمريكا، فتعجبنا أكثر، واتى مصر ليمد يدا للعالم الإسلامى الذى رأى أن أمريكا تظلمه وتعامله معاملة لا تليق، فسمعنا الخطاب، وانبهر به الخليجيون بأكثر مما ينبغى وأحبط منه الفلسطينيون بأكثر مما ينبغى، وبعد عام أو يزيد علمنا أنه كان استهلاكا إعلاميا لا يسمن ولا يغنى من جوع، ثم بعد كل هذا وبعد أن صور أحدهم عمائر القاهرة مقصوفة فى غزو أمريكى فى فيلم (ليلة سقوط بغداد) واعتبر هذا قدرا مقدورا وآت لا محالة.
ثم فجأة وفى وسط هذا الركود الممل، رأينا رجلا من المشهورين بالجبروت فى الحكم والعقلية الأمنية القوية والعلمانية المتطرفة وهو زين العابدين بن على يهرب بالطائرة فلا يجد ملجأ لا فى فرنسا ولا قبرص ولا تقبله إلا السعودية. حينها أخرج المصريون والليبيون واليمنيين والسوريين وغيرهم ما فى قلوبهم من إحباط ممن يحكمونهم ومن الأمريكيين الذين لم يخففوا من غلواء حكامهم الموالين لهم، فانفجروا ليسقطوا حكامهم، وسجن واحد وقتل واحد وحرق واحد وبقى واحد ليحارب فوق بحر من الدماء.
كلما مر حدث كنت أظنه أعجب حدث مر بى، فإذا الحدث الذى يليه أعجب منه، كأننا حقا على أعتاب يوم القيامة، لكن المتنبئين يعجزون عن أن يتنبؤوا بالحدث العجيب القادم. لا تتوقف عن التفاؤل فإنه:"لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون"، لكن لا تتعجب كثيرا فنحن حقا فى زمن العجائب، ولعله قدر جيلنا.
ومرت الأيام ورأينا قصف بغداد فى التلفزيونات لما ظهر الدش والأقمار الصناعية، ثم سقط البرجان فى نيويورك، واندهشنا بشدة، فقد ظننا أنها إما حربا كبيرة ستثيرها أمريكا أو دمار كبير سيصيبها، وانجررنا خلف قراءة علامات القيامة الكبرى، وقصفت أمريكا أفغانستان واحتلتها، ثم العراق بدعوى النووى وخلافه وأخذنا نقرأ عن أن صدام هو السفيانى ومن يحسب عمر الأمة الإسلامية على أنه قارب الانتهاء.
ثم مرت بنا سنوات طويلة مملة - أسمتها أمريكا سنوات الحرب على الإرهاب- حتى أتت الأزمة الاقتصادية العالمية، وبدأ بوش الابن يخرج من عليائه التى بناها مع المحافظين الجدد لنفسه، ومضى وأتى رجلا أسودا من أصل مسلم ليحكم أمريكا، فتعجبنا أكثر، واتى مصر ليمد يدا للعالم الإسلامى الذى رأى أن أمريكا تظلمه وتعامله معاملة لا تليق، فسمعنا الخطاب، وانبهر به الخليجيون بأكثر مما ينبغى وأحبط منه الفلسطينيون بأكثر مما ينبغى، وبعد عام أو يزيد علمنا أنه كان استهلاكا إعلاميا لا يسمن ولا يغنى من جوع، ثم بعد كل هذا وبعد أن صور أحدهم عمائر القاهرة مقصوفة فى غزو أمريكى فى فيلم (ليلة سقوط بغداد) واعتبر هذا قدرا مقدورا وآت لا محالة.
ثم فجأة وفى وسط هذا الركود الممل، رأينا رجلا من المشهورين بالجبروت فى الحكم والعقلية الأمنية القوية والعلمانية المتطرفة وهو زين العابدين بن على يهرب بالطائرة فلا يجد ملجأ لا فى فرنسا ولا قبرص ولا تقبله إلا السعودية. حينها أخرج المصريون والليبيون واليمنيين والسوريين وغيرهم ما فى قلوبهم من إحباط ممن يحكمونهم ومن الأمريكيين الذين لم يخففوا من غلواء حكامهم الموالين لهم، فانفجروا ليسقطوا حكامهم، وسجن واحد وقتل واحد وحرق واحد وبقى واحد ليحارب فوق بحر من الدماء.
كلما مر حدث كنت أظنه أعجب حدث مر بى، فإذا الحدث الذى يليه أعجب منه، كأننا حقا على أعتاب يوم القيامة، لكن المتنبئين يعجزون عن أن يتنبؤوا بالحدث العجيب القادم. لا تتوقف عن التفاؤل فإنه:"لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون"، لكن لا تتعجب كثيرا فنحن حقا فى زمن العجائب، ولعله قدر جيلنا.
Saturday, August 10, 2013
سيناريو الحرب الأهلية
لدينا
فريقان، اقتنع كل فريق منهما أن الفريق الآخر عميل لأمريكا وإسرائيل، فالإخوان
يرون الجيش الذى يأخذ معونة أمريكا العسكرية ويسالم إسرائيل يعمل لمصالحهما-
ويتعامون عن مصالح الجيش المباشرة لأسباب الاستحواذ على السلطة أو حتى الدفاع عن
مصالح مصر- والجيش والمخابرات يريا الإخوان منظمة عابرة للدول وتسعى للاستحواذ على
الحكم بنفس معادلة السلطة المطلقة الموجودة فى النظام السابق، وفى سبيل ذلك
يتفاهمان مع أمريكا بل وإسرائيل للوصول لدولة الخلافة الإخوانية – ويتعامون عن
حقيقة أن هذه الخلافة لن تروق لأمريكا وستهدد مصالحها.
حتى عبد الناصر الذى اخترع وأحيا القومية
العربية، بل وعدم الانحياز ليتسلل من بين ثنايا رومانسية فكرة الخلافة وقدرة الرمز
على الوصول فى زمانه الحديث للجماهير العربية والعالم من حولنا، مع حرصه على بناء
القدرات الخاصة لمواجهة التحديات الكبيرة، والتعامل بالمهادنة والاستعداد والحرب
أحيانا، وبالاتحاد أيضا، قرأه الطرفان بعين واحدة فقط، فرآه الإخوان
دكتاتورا ظلمهم كرها للإسلام، ورآه الجيش دكتاتورا أيضا يحرص على مصالح دولته
العليا فيقاتل الذين ينازعونه لضيق أفقهم، حتى يستطيع أن يحقق مراده لبلاده، دون
مراعاة لتغير العدو الصغير لعدد كبير وتنوعات مختلفة، وازدياد الطلب على فكرة الخلافة
الرومانسية أكثر من ذى قبل لتعويض ضياع الوحدة العربية، بل وتناسى الطرفان أن
كليهما يريد سلطة مطلقة ويعمل فى ظل سمع وطاعة مطلقتين.
الإخوان
أكثر التزاما بمبادئ عريضة فى فكرة الوحدة الإسلامية دون أن يتمكنوا من تطوير
وسائل ناجعة فى زمان متطور، والجيش يملك وسائل أفضل وأحدث لكنه يؤثر الحديث عن
الوطنية بين جموع الشعب ويخادع الغرب باستنكار الحديث عن الإسلام – رغم أنه يتشبث
به فى معاركه الكبرى مثل أكتوبر 1973، وانظر للآيات المزينة لمعسكرات الجيش جميعا
من قبل الشؤون المعنوية.
وبعد وفاق قصير لعامين ونصف، وأخطاء متبادلة من
كلا منهما لأنه لا يثق بالآخر، تحول السلام القصير لحرب إعلامية ووضع معقد، يؤدى
لتصور أن سيناريو الشرق الأوسط الكبير وجد ضالته فى نزاع يقسم البلد الموحد منذ
مينا إلى رأيين يمكنها الانقسام عليهما، وحزبين يتنازعان السلطان لا يقتسماه، فهل
نحن على شفى حفرة من النار و على عتبة حرب أهلية. ربنا يستر.
حركة التاريخ
لن
يمنع أحد بالفعل حركة التاريخ، هو بس فيه شوية زرجنة فى مصر لأن مجموعتان تظنان
أنهما يحركان التاريخ منفردين برغم مجيئهما متأخرين بخطوات: بين استخدام وسائل
ناجحة وبين استخدام مبادئ ناجحة، وللأسف بدلا من التعاضد والاتحاد للمضى نحو
المستقبل، نقف سدا فى وجه شعبنا بالتنابذ والتقسيم، ولعله من حركة التاريخ أيضا أن
يلتقى المختلفان ليحكم الله بقدره بينهما، من السابق الذى تدول دولته لأن رصيده قد
نفذ، ومن المستقبل الذى سيأتى لاحقا، ومن الذى لا يزال فى رصيده القدرى زمنا
باقيا، ومن اللذان يمكن أن ينهكا بعضهما ليأتى طرف ثالث ليرثهما معا. ليست كل
المعارك لها نتيجة واحدة إما النصر أو الهزيمة: أحب أن أفاجئكم بأنها أحد أوهامنا
الطفولية الجميلة، فبعض المعارك مجرد تأجيل لقدر الهزيمة النهائية وبعضها هزيمة
تودى بالطرفين، وأحيانا إن خلصت النوايا يستطيع الطرفان الخروج بالنجاح لكليهما
طالما اعترفا بأن لكليهما رصيدا يسمح بالاستمرار. والله من وراء القصد.
البرادعى يأتى متأخرا مرة أخرى
لم أعتقد أن البرادعى عميلا
مثلما لم أقتنع بالنظر للإخوان على أنهم مجرد متآمرين. خلينا فى البرادعى، اقتنعت
أنه يأتى متأخرا وهذا فى السياسة أمر ضار جدا – وللأسف وقع الإخوان فى خطأ ترك
زمام المبادرة. من أتى بزمام المبادرة هذه المرة كان السيسى والجيش من خلفه، ليقوم
بتطبيق نظرية البرادعى عن خطة طريق يقوم بإتمامها مجلس رئاسى. بتقول مجلس رئاسى؟
آه، اكتشفتها بالصدفة لما قريت خبر صلاة العيد فيه 4 أسماء بدلا من اسم واحد.
المجلس الرئاسى المقترح كان
يضم:
1-
شخصية قضائية، وبالتحديد رئيس المحكمة الدستورية العليا:
عدلى منصور
2-
شخصية عسكرية: وزير الدفاع القائد العام: الفريق السيسى
3-
شخصية من التيار الليبرالى: البرادعى
4-
شخصية من التيار اليسارى: اعتبرها البعض الببلاوى الذى
له علاقة بالحزب الديمقراطى الاجتماعى ونائبه من هذا الحزب زياد بهاء الدين
5-
شخصية من التيار الإسلامى: دائما ما كان يطرح اسم أبو
الفتوح، وهو من أكد أن عدلى منصور أخبره عن اتخاذ قرارات جماعية، لكنه استبعد بعد
ذلك، والمشكلة أن الشخصية التى يريدها أنصار التيار الإسلامى لتمثلهم هو مرسى نفسه
الذى اكتسب شرعيته بوصوله لمنصب الرئاسة.
التيار
الإسلامى الذى يزعم أن معه الأغلبية ويحارب من أجل الشرعية، يمكن أن يستبعد من خطة
البرادعى فى ظل انقسام حقيقى، سأعتبره بنسبة 70%:30%. فهل سيكون هذا فى مصلحة هذه
الخطة الرائعة.
الظاهر أن البرادعى ومن اقتنع بفكرته (السيسى) وصلا
متأخرين مرة أخرى.
الكراسى الموسيقية
من أعجب الأشياء التى وصلنا
لها أن سلطتان فى مصر لكل منهما احترامه وقوته على الأرض وفى الأمر الواقع وفى
دهاليز الحكم اضطرتا للجوء لدولة عظمى للوساطة والحكم بينهما. لا يهمنى من البادئ
لكنه يدل لعى أننا لا نستطيع التفاوض والتصالح داخليا بقدر رهيب. ألا يذكرك هذا
الموقف بما كان عليه حال المصريين بين ملك لا يحب أن يشاركه فى الحكم حزب الوفد
الشعبى ذو الأغلبية، والذى حكم فقط 5 مرات فى 32 عاما، بل وحل الملك مجلس النواب
بعد 8 ساعات فقط من انعقاده لاختيار رئيسه سعد زغلول، ومع الأسف كان الدستور يعطيه
هذا الحق، فليست المشكلة فى توازن السلطات فى الدستور، بل فى الحماقة فى استخدام
الحقوق.
اختلف الملك والوفد، فظل
الوفد تزور ضده الانتخابات طالما ليس لهم أهمية بضغط الشارع أو للتفاوض مع
الإنجليز على معاهدة يمكن للإنجليز تطبيقها حقا – مثل معاهدة 1936، قبل الحرب
العالمية الثانية، بل واضطر الإنجليز لمحاصرة قصر عابدين للإتيان بالنحاس زعيم
الأغلبية على أسنة الرماح، وهو ما جعل المصريون يعيشون عقدا من 42 وحتى 52 كانت
نهايته زوال الملكية والأحزاب وجلاء الإنجليز وظهور قوة جديدة لترث الصراع الدائر
بين القوتين الأكبر فى الحياة السياسية المصرية.
أثناء هذا الصراع ظهرت طرقا
سلمية ومظاهرات وغيرها من الفعاليات السلمية، كما ظهرت فعاليات عنيفة مثل العمليات
ضد معسكرات الإنجليز والاغتيالات السياسية. فى يوم من ذات الأيام توهم زعيم وفدى
اسمه أمين عثمان بأن المجاهرة بصداقة الإنجليز أمر محمود، فصرح أن العلاقة بين مصر
وانجلترا مثل الزواج الكاثوليكى، فتحمس مجموعة من الشباب لقتله، وكان أن قتل
اغتيالا، وكان من بينهم ضابط فى الجيش يسمى أنور الساداتى، وقد رفد من الجيش
وحوكم، ثم دارت الأيام واستطاع أن يأخذ عفوا ملكيا ويعود للجيش، بل ويشارك فى
انقلاب 1952 ضد الملك الذى احتضنه الشعب وقبله فأصبح ثورة يوليو التى سعت لإنشاء
نظام جديد كامل. الحكام الجدد كان الباشوات يكرهونهم وينعتون زعيمهم ناصر بابن
البوسطجى، وطبعا أن يأتى بعد ناصر رجلا أسمر البشرة مثل السادات وقد كان من
المختفين فى داخل نظام ناصر – لا يجهر بآرائه الخاصة- لكنه تولى الحكم بعد موت
ناصر وحارب إسرائيل التى احتلت سيناء وتفاوض معها، وقال قولة تشبه قولة أمين عثمان
الذى شارك فى قتله بالمساعدة، قال عن أمريكا حينما حاول التفاوض مع إسرائيل: إن 99
من أوراق اللعبة فى يد أمريكا، وبعد سنوات قليلة مضى فى معاهدة للسلام كانت صادمة
لبعض مواطنيه، وبالطبع منهم الشباب، فتآمر ضده مجموعة لاغتياله ونجحوا، وحبس منهم
مجموعة ظلت سنوات طويلة فى السجن، حتى خرج منهم من أصبح رئيس حزب سياسى.
هل هناك مكان لا يمكنك أن تصل
إليه، وتعاقب بنفس العقاب الذى طرحته من قبل.
فليتذكر السياسيون من جبهة
الإنقاذ أنهم كانوا فى الميادين يعتصمون ويعيبون على مرسى الكثير، وقد جلسوا فى
نفس الكرسى الذى جلس فيه من قبل الإخوان مع المجلس العسكرى بقيادة طنطاوى، فهل
سيتحملون ما سيجدونه فى الضفة الأخرى من النهر بعد أن عبروه؟؟؟
ربما كان طريفا أن نسأل مثلا:
ماذا سيكون موقف الجبهة لو كسب الدستور القادم ب52% فقط، هل سيصروا على إعادته
لأننا نحتاج لتوافق بنسبة الثلثين فى بلد منقسم!!!
حقا: كل شئ هالك إلا وجه الله
Monday, November 12, 2012
الكاتب المصرى يدفع الفرعون
فى
كل ركن من أركان المؤسسات المصرية يجلس متربعا، خلف أذنه قلما، ويأتيه الناس،
ليتفلسف عليهم، ويجعلهم يدورون حول أنفسهم باحثين فى أيديهم عن ورقة ناقصة أو
إمضاء منسى، خلال رحلة المواطنين والساسة للوصول لإتمام مصالحهم سواء الشخصية منها
أو المرتبطة بالعمل، كالطبيب والمعلم وأستاذ الجامعة والخبير الاقتصادى ومهندس
الرى والتعدين والكهرباء، بل وضابط الشرطة والقوات المسلحة. (ربما أستثنى المحامى
لأنه يغلب الموظف فى فلسفته للأمور والأوراق، بل ويستطيع أن يخترقه تارة بالحق
وتارتين بالباطل)
هذا الكاتب الموظف، رمز البيروقراطية
المصرية العتيدة التى ترجع لعصر المصريين القدماء، والذين قالوا عن موسى عليه
السلام أنه "سيذهب بطريقتكم المثلى"، لا يزال فاعلا، بل ومحملا بأمراض
أصابته بمرور العصور والأزمنة القريبة والبعيدة، تارة يتسلح بالمداراة، ليمنع عن
نفسه بطش السلطان، وتارة يتسلح بالكسل الذى يقيه حسد الناظرين لمجهوده من زملائه
ومرؤوسيه الذين يريدون نسبة النجاح لأنفسهم، وتارة يتكتم فى مواجهتهم، ثم يتشدق
بنقدهم خلف ظهورهم.
ربما يعيب الكثيرون على الإخوان انهم لم
يصنعوا شيئا حتى الآن، وهو حقيقى، وربما يخاف البعض من أخونة الدولة، وهى أمر لو
فعلوه لكانوا قادرين أو فاجرين مثلما يقال عن زوج الاثنتين، لوجود هذا الكاتب
المصرى فى بنية الدولة، فأقصى طموح الإخوان أن يصنعوا مثلما صنع الرومان والعرب
والمماليك ومحمد على والضباط الأحرار: أن يشعروا هذا الكاتب أنهم أسياد البلد،
والآمر الناهى فيها، ثم يعطونه أوامر محددة ليقوم بتنفيذها طائعا ليخرجوا بنتائج
تثبت قدرة هذا الكائن الخرافى (الكاتب المصرى) على النجاح فى ظل الأزمات إذا توفرت
الشروط.
وشروط عمل هذا الكاتب المصر تختصر فى
السابق والتالى:
1-
تحديد الهدف من إدارة الدولة
(مثل زيادة إنتاجية الرقعة الزراعية كمثال سيدنا يوسف، أو زيادة خراج الدولة كمثال
عمرو بن العاص رضى الله عنه، أو تحقيق الاكتفاء من القمح مثلما كانت روما تفتخر
بأن مصر مزرعة القمح التى تؤكل روما)
2-
تحديد المهام الموكل بها هذا
الكاتب أو الموظف (عادة كانت تأتيه فوقية لكى يقوم بالعمل صاغرا، لكن حتى لو أتت
بمشاورة وديمقراطية فيجب توضيحها واختصارها ومباشرتها عند ابتداء العمل، ثم
الإصرار على متابعة النتائج والتأكيد على أنها هى الهدف المنشود)
3-
تأمين طعام هذا الكاتب، وإشعاره
أنه من خير أرضه، فهو مجبول على أن الخير فى أرضه وضرع بقره، فإن جفت الأرض
والضرع، سيصبح شبحا لا نفع فيه يسرق، ويدعى أنه يعمل، ويتفنن فى الاحتيال ليوحى
إليك بذلك، فلا تستطيع أن تجعل همه فى العمل، وتدوران فى دائرة مفرغة يعرف هو
خفاياها أكثر ممن يحكمه.
هذا الكاتب، فى مكان مثل الجامعة التى أتى منها د. محمد
مرسى يحول العميد الآتى من بين رفوف الكتب وأضابير العلم، إلى تلميذ ينتظر إجاباته
الملهمة إن لم يكن من الشخصيات القيادية ذات الرؤية، فتجد علماء من ذوى الوزن لا
يحركون ساكنا إلا بعد استشارة أمين الجامعة أو الكلية، وهم معذورون، يصبحون مثل
الطبيب الذى من فرط اعتماده على الممرضة يسألها عن تشخيص المريض ويجعلها ترتب له
كل أعماله.
مصر الآن فى حاجة إلى فهم مفاتيح هذا الكاتب الذى يلعب
لعبته الأزلية التى اعتادها لقرون متطاولة فى الضحك على الذقون، وإفهام الفرعون أن
ما يطمح إليه لا يمكن عمله، وأن تخزين الحبوب لسبع سنوات أمر لا يتسق مع تصريف
الحبوب فى المملكة، وأن النمل والحشرات ستقضى عليها لا محالة، لأننا اعتدنا ان
الصوامع مصابة، لكن إن جعل القائد همه فى تنظيف الصوامع وترتيب أحوالها قبل تخزين
السنوات السبع، سيضطر حينها هذا الكاتب المعتاد على الأوامر الفوقية أن يلتفت لهذا
المختلف، وسيضطر لمعاونته، وإن نجح سيصفق له، وربما يصنع له التماثيل ويتغنى
بحكمته والإلهام الإلهى الذى يأتيه من لدن الخالق الحكيم.
أقول لمن فى مصر من أقصاها لأقصاها: لا تستسلموا للكاتب المصرى
ليقودكم لوجهته الخالدة: تأمين رزقه من مهنته، لكن سوقوه للنجاح لكم وله، وإلا
سينقلب عليكم باللائمة إن فشلتم، فهو فى مكانه مثل النيل والنخيل، تموت واحدة
فتقوم الأخرى بجوارها على بعد خطوات، لن يضيره قتل نصفه، لكنه سيتحرك حينما تأتى
الأوامر الواضحة والسياسة الذاهبة لهدف محدد.
إن لم تسوقوه سيقودكم لحتفكم، تارة بالحيلة والمديح
(ومبارك نموذج واضح لهذا)، وتارة بالتكاسل وإظهار الخضوع (الذى تجده من حيل
المصريين النفسية الشهيرة)
الإدارة هى مشكلة مصر التى شخصناها جميعا فى آخر
عقد، ومن حول جمال مبارك أوحوا إليه أنه مبعوث العناية الإلهية ليدير مصر بنجاح
فانقلب السحر على الساحر، فحتى سحرة فرعون حينما فشلوا انفضوا عنه. يجب على من يدير
مصر أن يهاجم مباشرة مواطن العفن والتحلل الذى أصاب بنية النظام فيها فيزيل العفن
والصديد، ويحدد القواعد التى سيقوم عليها هيكل النظام الجديد مكان المهترئ، فعلها
بالأمس القريب عبد الناصر بالديكتاتورية، وتصلح اليوم بالديمقراطية، إن أحسن الفعل
وكان التوفيق حليف من يدير هذا البلد. لن يفيد الحذر الإخوانى المعتاد فى هذه
المشاكل الحياتية للمصريين، بل يجب أن يكون فيهم أو معهم "الإدارجى"
الذى تظهر عبقريته فى الوقت المناسب لتنظيف الأرض وبذر البذور وتعهدها، فإن أيقن
الكاتب بأن هذا الإدارجى يفعل ما يفعل عن بينة فسينقلب من التكذيب إلى المديح، ومن
الحيلة إلى التتبع لخطوات الحاكم الذى يثق فيه منذ القدم، طالما أطعم الفم لتستحى
العين
Subscribe to:
Comments (Atom)









