Saturday, March 19, 2011

الديمقراطية هى الحل والإسلام دين التنوع والاجتهاد



        كنت أريد أن أقول (نعم) فى التعدبلات الدستورية، لشعورى باحتياج مصر لمجلس الشعب ليكون اليد المُصلحة لترسانة القوانين التى أوصلت شعب مصر مع طغيان مبارك ورجاله إلى حالة يرثى لها تستدعى التدخل السريع والجذرى لإصلاح هيكلى للدولة المصرية وكثير من طرق إدارتها البيروقراطية، لكننى تخوفت من التلاعب بالدين خاصة وأنا أعلم أن (لا) و(نعم) لن يكونا بهذا التأثير المخيف على المادة الثانية من الدستور مثلما يشيع كثيرون من أهل (نعم) وأهل (لا).
هل أطلق رجال من الإخوان والسلفيين دعوى بأن التصويت بنعم للتعديلات الدستورية واجب شرعى؟
أنا أرى أن الفصيلين الإسلاميين، وغيرهما مثل المتصوفة والأزهريين، بل والأقباط المتدينين والعلمانيين، فى حاجة لأن يكون عملهم السياسى وآرائهم  من خلال الديمقراطية و الحرية وفى النور لكى يصبح تمثيلهم حقيقيا لا متوهما، ولكى تستطيع الفكرة المتغلغلة فى ضمير الشعوب المسلمة أن تظهر بشكل شرعى دون أن توجه سهامها لأهلها فى معركة وهمية لا مستفيد منها سوى أعداءنا جميعا.
لكننى فى الوقت ذاته أرفض أن تتحول الآراء والاجتهادات لسيوف مسلطة على رقاب العباد الواعى منهم أو الذى يحاول أن يعى، فيقوم رجل لا يدرك أن اجتهاده والذى يراه صحيحا هو اجتهاد لا اتفاق وقطع بالصواب، رغم اختلاف غيره معه بناء على أدلة عقلية بل وأحيانا نقلية، وذلك فى أمور بعضها أعطى الإسلام فيها إضاءات لنهتدى خلال تعاملنا معها، والأخرى تركها لنا ما دامت غير منصوص عليها لنجتهد فيها، بل وأمور ينتظر العاقل فيها لكى لا يحمل الناس على الحق قسرا، بل برضاهم.
الكثير والكثير من أمور التشريع والتطبيقات العملية، تقع تحت نطاق الاجتهاد، وتحتمل الاختلاف، خاصة ما كان من تعديلات الدستور الحالية، وإلا لو كانت محل اتفاق شرعى أو سياسى أو ما شابه ما لجأت السلطات لعمل استفتاء حولها. الأعجب أن يأتى هذا فى توقيت حرج يذهب فيه المصريون بإقبال شديد ولهفة على المشاركة وشعورهم أن رأيهم أصبح له قيمة، وهذا معنى عميق من معانى الشورى التى أرساها الإسلام.
 فإذا ببعض من الذين تحسسوا من كتابة الدستور الجديد ابتداء يتخوفون من القوى الأخرى أن تزيح المادة الثانية، فيغلب على ظن الأقباط أنهم بقولهم (لا) سيمنعون فرض المادة الثانية عليهم، وسيفها المخيف من خلال تطبيق الإسلاميين مستقبلا لها لظلمهم (كما يتوقعون) وحرمانهم من حقوقهم المدنية ربما أكثر مما فعل مبارك.
هذا التخوف المشترك على المادة ومنها ربما هو مَرَضى ومن باب الهلع أكثر منه حقيقيا، فالإسلاميين إذا خافوا من إزالة المادة الثانية من قبل القوى المدنية والقبطية فهم كأنهم لا يعرفون معدن المصريين المتدين، والقوى المدنية والأقباط إذا خافوا من إساءة استخدام المادة الثانية من قبل الإسلاميين، فهم يفقدون الثقة فى الآخر المصرى، بل وفى أنفسهم، وفى مناصرة المصريين المتشبثين بالعدالة والمساواة لهم.
هذا كان ميراث الوكيل المعتمد لمخاطبة القوى المختلفة (الحزب الوطنى). أذكر أيام كنت أدخل على برنامج البالتوك، وهو برنامج لحوارات مسموعة بين أناس قد لا تعرفهم على الانترنت، كان الحزب الوطنى يصور نفسه للمتدينين وللعلمانيين كأنه الوسط الذهبى فيظهر نفسه للمتدينين على أنه يمنع إزالة المادة الثانية ويحافظ على التقاليد والشعائر، ويظهر نفسه للعلمانيين والأقباط على أنه هو الحامى لحمى الدولة المدنية، والذى يمنع المتطرفين من الجماعات من تقتيل الأقباط. ولا شك أن هذه الورقة قد انكشفت، ولعل تعامل جميع الأطراف وجها لوجه هو الذى سيزيل اللبس والأساطير، ويجعل الجميع فى مركب واحد يتفاعلون سويا لصالح البلد الكبير الذى ننتمى إليه ويسكن فينا حقا.
أنا مقتنع بوجود اجتهادات متنوعة للدين الإسلامى تعلمناها تاريخيا، بل وكانت مصر بالخصوص - لوقوعها فى مركز القوة وعلى مفترق الطرق - هى الحاضنة لهذا التنوع، فكان بمصر المملوكية -التى تمثل قوة عظمى فى زمانها- قضاة للمذاهب الأربعة الفقهية، وهو ما انطبق على أهلها، وأعطى لهم سعة فى التفكير حتى خلال منظومة التفكير الإسلامى الصرفة، وكذلك تعربت الأقباط فى حياتهم، وكثير من كتاباتهم، وأصبح الكتاب المقدس مترجما للعربية فى نفس السياق التاريخى، وبدون اعتساف أو قهرعلى مثل هذا التعريب، بل فى تعايش ببلد قوى، لا اختلاف فى بلد ضعيف.
هذه الاجتهادات المتعددة لا تزال موجودة من خلال تيارات العمل الوطنى: الليبرالية والقومية والاشتراكية والإسلامية، وكذلك داخل التيارات الإسلامية أصبحنا نرى إخوانا ووسطا وسلفيين وصوفية، فهل الحل هو التنازع، لا سيما فى السياسة التى تحتكم للاعتبارات العملية فى أغلب أحوالها، وهو موضع الاجتهاد، الذى يجعلك اليوم مشتركا مع القوميين، وغدا مع الليبراليين، وبعد غد مع الاشتراكيين.
 لعل من الاجتهادات المقبلة بإلحاح على الجميع فى هذا الظرف صياغة العدالة الاجتماعية من خلال تصور مختلف عن تأميمات الدولة واشتراكيتها التى فرضتها الدولة فى الستينات، ويجب على التيارات الأربعة التعاون للوصول لتصور مجتمعى مشترك يستفيد من اقتراحات كل طرف لمصلحة مصر.
أرجو أن يعى الإسلاميين أن إقحام الحلال والحرام والفتوى فى كثير من الأمور، هو مثل القول فى القرآن بالرأى، يضر بالإسلام أكثر مما ينفعه، ويلصق به اجتهادات الناس وهم غير معصومين، بل وقد يضلل العامة فيكون ضرره عليهم لاحقا أكبر، وتأثيره على صورة الإسلام الناصعة أسوأ. وأن يعوا أن مصر الإسلامية والقومية والقبطية كانت منذ القدم قبلة للأفكار وقبلة للناهلين من خبراتها وتجاربها، فلا يحتكرن أحدنا صحة الاجتهاد، لكيلا يعاقب مثلما عوقب -بسنن الله وقوانينه الغلابة- عبد الناصر لما هزم فى 1967ومبارك لما عزل فى 2011، فهذا قدر الاستبداد الذى يسول الشيطان لصاحبه أنه الأمين على الحق وحده، فيغتر ويخطئ، وهو ما جعل الإسلام ينهى العلماء عن مصاحبة السلطان، بل وجعل العالم الذى يذهب للسلطان فيأمره وينهاه هو العالم الأورع، فكان هذا هو النموذج العابر للعصور للعلماء، والذى أثرى رجالات الأزهر فى عصور طوال، فحذار من إغراء السلطة بأن يجعلكم تنسوا أنكم ستصبحون فى موقعها هدفا لمعارضة العلماء الصالحين لتقويمكم مثلما حدث لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما قال على المنبر:- "إذا أصبت فأعينوني، وإذا أخطأت فقوموني"، فقال له رجل من بين الناس: "إذا أخطأت قومناك بسيوفنا..!".

عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يرضى بتعبيد الناس للناس ومصادرة عقولهم، وتغييبهم عن الساحة، بل يطالبهم بالمشاركة والناس لا يرضون بالتبعية والعجز.. وهكذا تبنى الأمم.(1)

مصادر:


No comments:

Post a Comment