بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم
تذكرت بعدما قرأت هذا المقال وشدنى بدرجة كبيرة، أمر القراءة النقدية التى نُصحنا بها حينما حدثونا عن التعليم الجيد، وطرق القراءة الواعية، فأخذت أتدبر محتويات هذا الخطاب الذى لم يكن الأول الذى يضخم من بقايا النظام، وهذا أمر له وجاهته ولا شك، ولكنه فى هذه الخطابات يسعى لزرع اليأس من إمكانية انتصار الثورة، بل لعله يجعل الهزيمة النفسية منتشرة لفترات طويلة مثلما قيل عن أثر حرب الأيام الستة على العرب لسنين متوالية بعدها، ربما كان الاستثناء فيها أيام حرب رمضان المجيدة وما وازاها من اعتصام ووحدة لا تظهرإلا ساعة الشدائد.
لذلك وجدت عقلى يدفعنى لكتابة هذه الملاحظات ليتدبرها من استطاع استكمال المقال الطويل، وأنا أرجو من الله أن يهدينا جميعا للحق:
لذلك وجدت عقلى يدفعنى لكتابة هذه الملاحظات ليتدبرها من استطاع استكمال المقال الطويل، وأنا أرجو من الله أن يهدينا جميعا للحق:
1. التشكيك فى ولاء الرؤساء والملوك له تاريخ طويل، يرتبط حينا بالتحالفات، وحينا بأعمال المخابرات، ولعل أشهر هذه الادعاءات هو ارتباط جمال عبد الناصر بالمخابرات المركزية الأمريكية، وهو أمر أسعد أعداؤه ولا شك، كما شكك البعض فى ولاء السادات واحتسبه عميلا لأمريكا أيضا، ربما لأنه قام بالتحول عن مسار عبدالناصر بشكل شبه معاكس.
لكن هذا الادعاء يرسخ معنى نظرية المؤامرة بمنطق تضخيم حجم الأعداء لدرجة أننا لن نستطيع مواجهتهم أبدا.(هذا المعنى رفضه المسيرى فى أحاديثه الطويلة حول الصهيونية واليهود واليهودية، رافضا ان يكون التفسير المرتبط باليهود أن يكونوا هم مصدر جميع المؤامرات الدولية مما يعطيهم قوى خارقة تقتل فى نفوس الكثيرين الهمة والدافع على الحركة). وهو أمر إن ثبت يحتاج لأدلة قوية لا تقف عند مجرد الظنون، قال تعالى: ((إن الظن لا يغنى من الحق شيئا)), كما أنه يوقف الإنسان عن استكمال إيمانه بقيومية الله وقدرته فوق كل العالمين، والذى يتضح بخاصة فى أمر الملك والسلطان بقوله تعالى: ((قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير))، وهو تصديق ما شاهدناه بأمهات عيوننا، حينما هرب زين العابدين من تونس، وتخلى أو تنحى مبارك فى مصر، وبكل تأكيد سيتبعهم غيرهم بإذن الله الذى يمهل ولا يهمل.
2. هذا هو المقال الثانى الذى يستقى معلومات من ضابط بالحرس الجمهورى يحتوى معلومات وتحليلات (وهما يختلفان فى قوة حجتهما)، عن مدى انتشار الفساد وتغلغله، وهو أمر حقيقى وإلا لما كان الله دمر دولا قوية بهذه الطريقة، وهذا الفساد وشبكات المصالح موجودة بشواهد ودلائل كثيرة، ولا تهدم بمجرد معرفتها، بل تحتاج حربا مستمرة لإرجاع التشريعات لأصولها المعهودة والتى يجب اتباعها، لكن رؤية هذه الشبكات عن قرب يجعلها كبيرة فى أعين القريبين، وضخمة بما يصعب زوالها فى أعينهم، ولعل ابتعاد القائمين بأى ثورة يحميهم من هذا التصور المخيف. لقد خاطب الله نبيه عن معركة بدر الكبرى بعدها بقوله: (( وإذ يريكموهم إذ التقيتم فى أعينكم قليلا ويقللكم فى أعينهم ليقضى الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور)) الأنفال 44
3. قول هذا الكاتب أنه معه من المال الحلال ما يكفيه وأحفاده مدى الحياة، برغم عمله فترة طويلة مع هؤلاء الناس المشكوك فيهم. ويدعى أنه لا يستطيع إيضاح الكثير لكى لا يتعرض للانتقام إذا عرفت شخصيته الحقيقية، رغم أنه تحدث عن صفقة سياحية اعترض عليها جرانة وهو ما قد يعرضه لانكشاف شخصيته بالفعل.
كما أنه ختم الخطاب بتعريف نفسه بأنه لاجئ سياسى، وهؤلاء اللاجئين يحملون معلومات حقيقية وهى منتشرة فى الخطاب حقا، لكنهم أيضا ينزعون إلى تكوين آراء وتحليلات تحمل تطرفا إما مع أو ضد، بشكل يزيد حتى عن الثوار أنفسهم، لما صادفهم فى تجربتهم التى تجعلهم خرجوا من المأزق المميت بأعجوبة، بعد أن كانوا فى فك الأسد.
4. يخاطب الكاتب الشعب المصرى بعدم تصديق أى من وسائل الإعلام فى الموالاة والمعارضة، وهو لأنهم جميعا كانوا جزءا من خطة المعارضة الوهمية، وهو عودة لفكرة نظرية المؤامرة ولكن هنا التى تشكك فى الجميع ليصبحوا سواء، وهى إحدى ألاعيب النظام السابق مع المعارضين. صحيح أن الصحفيين كانوا يحملون علاقات مختلفة لحمايتهم واتخاذهم مصادر، ولكن كثير من المعارضة الوهمية هذه كانت سببا مباشرا فى ازدياد الضغط تحت الحلة التى كنا نعيش فيها ويتعجب من فارقها، كيف نصبر برغم ما يروه معنا فى برامج مثل العاشرة مساء وغيرها.
وأنا أدعو الجميع، وقد فعلنا هذا خلال الأزمة بل وقبلها، باستخدام عقله النقدى للقبول والرفض من الجميع وتكوين صورة متكاملة من جميع القصاصات المختلفة التى تجمعها من جميع المصادر.
وكانت النتيجة لاستخدام المصريين لعقولهم وأبصارهم أن تقبلوا فساد النظام السابق ثم انتوى بعضهم تغييره بالاعتصام السلمى، فهل هذه كانت جزءا من مؤامرة ابراهيم عيسى ومصطفى بكرى أيضا،
ثم ألم يكن التفكير النقدى فى مقارنة وسائل الإعلام المتعددة سواء فى الانترنت أو فى الفضائيات المختلفة مصرية وعالمية وعربية (وكان تعددها وسيلة قوية للمقارنة)، خلال الثمانية عشر يوما، هو وسيلتهم فى كشف كذب الإعلام الرسمى لدرجة الإحساس بأنهم يتحدثون لسكان مصر فى السبعينيات.
5. بالنسبة للجيش، ربما يكون هناك معلومات صحيحة، لكن الأمر لا يتوقف فقط على التسليح، لكن الروح المعنوية التى لم تعتمد فى الجيش المصرى لا على الارتزاق، ولا على عقيدة الحرب ضد الإرهاب، بل اعتمدت على حماية أمن مصر من مخاطر ليس اقلها التهديد الإسرائيلى الذى لم يفارق خبرات العسكريين، ولعل نموذجا مثل الشاذلى رحمه الله والذى نجا بفرقته وحارب خلال أوامر الانسحاب من سيناء خلال نكسة 1967، ومعركة رأس العش، بل واستخدام القذائف المضادة للدبابات والطائرات بواسطة مقاتلى المشاة فى حرب أكتوبر هى نماذج لانقلاب الميزان الذى يحكم به على الأحداث، وهى أمور يثبت الله بها المؤمنين لكى لا يصوا لمرحلة اليأس والتى يتمناها أى عدو لأعدائه، وبالطبع يتمناها الإسرائيليين للمصريين بالخصوص.
6. إذا كان المدعو قد ابتعد عن الصورة بذهابه لأمريكا كلاجئ، فمن أين أتى بخطة مارس 2011، التى تريد وضع عمر سليمان على عرش مصر، وإن صحت فهذا مثال على قدرة الله الغالبة، والتى أحرقت أسهم عمر سليمان فى أقل من أسبوعين، ليمضى مع مبارك خارج الإطار، إلى غير رجعة بإذن الله. صدقت إذا حينما قررت أنهم يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.
7. بالنسبة لةقةع أمريكا مع إسرائيل، فربما يدرك كثيرون أن إسرائيل قد وصلت خلال عملية السلام إلى الكثير والكثير مما أرادته خلال النظام السابق، وأنها تستعد لمحاولات هدم الأقصى وإحاطته بالمستعمرات وتهويد القدس، وبناء الهيكل الثالث بالقدس. ولعل الله قد أراد لها إن تقف قليلا عن غلوائها التى لم يعد يوقفها حتى الفلسطينيين فى أريحا، ولو من خلال تغير المعادلة وعدم وجود نظام توقف حتى عن التنديد بأفعالها، رغم أن المصريين لديهم من المشاكل ما لو فرغوا له لالتهوا عن إسرائيل سنينا.
8. لا أستطيع تصور خطة مصرية أمريكية مشتركة لاحتلال العراق مهما بلغت سفالة بعض عناصر النظام، فهو إن لم يعد خطأ إستراتيجيا للأمن القومى لمصر، فسيكون واضحا للعراقيين الذين لم يكونوا جيشا ورقيا بالتأكيد.
9. فى النهاية أرجو أن يدرك جميع أبناء مصربعض أمور:
a. أن اختيار الديمقراطية ليس نهاية المطاف بل هو البداية لكفاح آخر لاستخدام وسائل الديمقراطية لتحقيق مصالح مصر والمصريين فوق المصالح الشخصية والتى يصل إليها حتى بعض المجاهدين إن هم ركنوا للراحة واستلمتهم فرق النفاق وتصنيع الفراعنة، بل وفى الديمقراطيات إن قلت قوة المحاسبة ونزع الناس لتقديس الرجال، لا احترام المواقف وتثمينها.
b. لن يصل المصريون لكل ما يريدون دفعة واحدة، بل يجب أن يبدأوا بالإطار الصحيح، والذى قد يأخذ مع زيادة القدرات الديمقراطية بإيجاد تعديلات لدولة برلمانية، قد يأخذ بضع سنوات مع ازدياد قوة الأحزاب والقوى السياسية التى تحتاج حقا للنضوج فى بوتقة الثورة التى سيستمر مسارها فى هذا الإطار السياسى، كما سيظهر فى مشاركة ونبوغ أبنائها أبناء مصر فى المجالات المختلفة علما وأدبا وفنا وتقدما فى الزراعة والصناعة والخدمات.
c. لا توجد ثورة تنجح بنسبة 100% أو تفشل بنسبة 100%، وهذا يعتمد على جهد وكفاح أبنائها ووعيهم، وعدم الانسياق لأفكار تأخذهم للتطرف الذى قد يقضى عليهم، فقد أصاب ثورة 1952 هذا الخوف المرضى من المؤامرات حتى أنهم رفضوا وجود معارضة، وأخذوا يعدون العدة لمواجهة أى تدخل خارجى، فأدخل بعضهم بتقادم الثورة العنصر الخارجى بأيديهم حتى أنهم ظلوا يقولون لنا: القوى الخارجية، ونحن نعلم بأنهم يقومون بالتعاون مع هذه القوى الخارجية أكثر من أى طرف مشتبه فيه، فانقلبت دعواهم عليهم، وذاقت دولتنا العسكرية من نفس الكأس الذى جرعته لمعارضيها.
No comments:
Post a Comment