فى
كل ركن من أركان المؤسسات المصرية يجلس متربعا، خلف أذنه قلما، ويأتيه الناس،
ليتفلسف عليهم، ويجعلهم يدورون حول أنفسهم باحثين فى أيديهم عن ورقة ناقصة أو
إمضاء منسى، خلال رحلة المواطنين والساسة للوصول لإتمام مصالحهم سواء الشخصية منها
أو المرتبطة بالعمل، كالطبيب والمعلم وأستاذ الجامعة والخبير الاقتصادى ومهندس
الرى والتعدين والكهرباء، بل وضابط الشرطة والقوات المسلحة. (ربما أستثنى المحامى
لأنه يغلب الموظف فى فلسفته للأمور والأوراق، بل ويستطيع أن يخترقه تارة بالحق
وتارتين بالباطل)
هذا الكاتب الموظف، رمز البيروقراطية
المصرية العتيدة التى ترجع لعصر المصريين القدماء، والذين قالوا عن موسى عليه
السلام أنه "سيذهب بطريقتكم المثلى"، لا يزال فاعلا، بل ومحملا بأمراض
أصابته بمرور العصور والأزمنة القريبة والبعيدة، تارة يتسلح بالمداراة، ليمنع عن
نفسه بطش السلطان، وتارة يتسلح بالكسل الذى يقيه حسد الناظرين لمجهوده من زملائه
ومرؤوسيه الذين يريدون نسبة النجاح لأنفسهم، وتارة يتكتم فى مواجهتهم، ثم يتشدق
بنقدهم خلف ظهورهم.
ربما يعيب الكثيرون على الإخوان انهم لم
يصنعوا شيئا حتى الآن، وهو حقيقى، وربما يخاف البعض من أخونة الدولة، وهى أمر لو
فعلوه لكانوا قادرين أو فاجرين مثلما يقال عن زوج الاثنتين، لوجود هذا الكاتب
المصرى فى بنية الدولة، فأقصى طموح الإخوان أن يصنعوا مثلما صنع الرومان والعرب
والمماليك ومحمد على والضباط الأحرار: أن يشعروا هذا الكاتب أنهم أسياد البلد،
والآمر الناهى فيها، ثم يعطونه أوامر محددة ليقوم بتنفيذها طائعا ليخرجوا بنتائج
تثبت قدرة هذا الكائن الخرافى (الكاتب المصرى) على النجاح فى ظل الأزمات إذا توفرت
الشروط.
وشروط عمل هذا الكاتب المصر تختصر فى
السابق والتالى:
1-
تحديد الهدف من إدارة الدولة
(مثل زيادة إنتاجية الرقعة الزراعية كمثال سيدنا يوسف، أو زيادة خراج الدولة كمثال
عمرو بن العاص رضى الله عنه، أو تحقيق الاكتفاء من القمح مثلما كانت روما تفتخر
بأن مصر مزرعة القمح التى تؤكل روما)
2-
تحديد المهام الموكل بها هذا
الكاتب أو الموظف (عادة كانت تأتيه فوقية لكى يقوم بالعمل صاغرا، لكن حتى لو أتت
بمشاورة وديمقراطية فيجب توضيحها واختصارها ومباشرتها عند ابتداء العمل، ثم
الإصرار على متابعة النتائج والتأكيد على أنها هى الهدف المنشود)
3-
تأمين طعام هذا الكاتب، وإشعاره
أنه من خير أرضه، فهو مجبول على أن الخير فى أرضه وضرع بقره، فإن جفت الأرض
والضرع، سيصبح شبحا لا نفع فيه يسرق، ويدعى أنه يعمل، ويتفنن فى الاحتيال ليوحى
إليك بذلك، فلا تستطيع أن تجعل همه فى العمل، وتدوران فى دائرة مفرغة يعرف هو
خفاياها أكثر ممن يحكمه.
هذا الكاتب، فى مكان مثل الجامعة التى أتى منها د. محمد
مرسى يحول العميد الآتى من بين رفوف الكتب وأضابير العلم، إلى تلميذ ينتظر إجاباته
الملهمة إن لم يكن من الشخصيات القيادية ذات الرؤية، فتجد علماء من ذوى الوزن لا
يحركون ساكنا إلا بعد استشارة أمين الجامعة أو الكلية، وهم معذورون، يصبحون مثل
الطبيب الذى من فرط اعتماده على الممرضة يسألها عن تشخيص المريض ويجعلها ترتب له
كل أعماله.
مصر الآن فى حاجة إلى فهم مفاتيح هذا الكاتب الذى يلعب
لعبته الأزلية التى اعتادها لقرون متطاولة فى الضحك على الذقون، وإفهام الفرعون أن
ما يطمح إليه لا يمكن عمله، وأن تخزين الحبوب لسبع سنوات أمر لا يتسق مع تصريف
الحبوب فى المملكة، وأن النمل والحشرات ستقضى عليها لا محالة، لأننا اعتدنا ان
الصوامع مصابة، لكن إن جعل القائد همه فى تنظيف الصوامع وترتيب أحوالها قبل تخزين
السنوات السبع، سيضطر حينها هذا الكاتب المعتاد على الأوامر الفوقية أن يلتفت لهذا
المختلف، وسيضطر لمعاونته، وإن نجح سيصفق له، وربما يصنع له التماثيل ويتغنى
بحكمته والإلهام الإلهى الذى يأتيه من لدن الخالق الحكيم.
أقول لمن فى مصر من أقصاها لأقصاها: لا تستسلموا للكاتب المصرى
ليقودكم لوجهته الخالدة: تأمين رزقه من مهنته، لكن سوقوه للنجاح لكم وله، وإلا
سينقلب عليكم باللائمة إن فشلتم، فهو فى مكانه مثل النيل والنخيل، تموت واحدة
فتقوم الأخرى بجوارها على بعد خطوات، لن يضيره قتل نصفه، لكنه سيتحرك حينما تأتى
الأوامر الواضحة والسياسة الذاهبة لهدف محدد.
إن لم تسوقوه سيقودكم لحتفكم، تارة بالحيلة والمديح
(ومبارك نموذج واضح لهذا)، وتارة بالتكاسل وإظهار الخضوع (الذى تجده من حيل
المصريين النفسية الشهيرة)
الإدارة هى مشكلة مصر التى شخصناها جميعا فى آخر
عقد، ومن حول جمال مبارك أوحوا إليه أنه مبعوث العناية الإلهية ليدير مصر بنجاح
فانقلب السحر على الساحر، فحتى سحرة فرعون حينما فشلوا انفضوا عنه. يجب على من يدير
مصر أن يهاجم مباشرة مواطن العفن والتحلل الذى أصاب بنية النظام فيها فيزيل العفن
والصديد، ويحدد القواعد التى سيقوم عليها هيكل النظام الجديد مكان المهترئ، فعلها
بالأمس القريب عبد الناصر بالديكتاتورية، وتصلح اليوم بالديمقراطية، إن أحسن الفعل
وكان التوفيق حليف من يدير هذا البلد. لن يفيد الحذر الإخوانى المعتاد فى هذه
المشاكل الحياتية للمصريين، بل يجب أن يكون فيهم أو معهم "الإدارجى"
الذى تظهر عبقريته فى الوقت المناسب لتنظيف الأرض وبذر البذور وتعهدها، فإن أيقن
الكاتب بأن هذا الإدارجى يفعل ما يفعل عن بينة فسينقلب من التكذيب إلى المديح، ومن
الحيلة إلى التتبع لخطوات الحاكم الذى يثق فيه منذ القدم، طالما أطعم الفم لتستحى
العين