Tuesday, April 12, 2011

الشعب العاطفى ورجال الحكم



يقولون أن الشعب المصرى شعب عاطفى، وهذه حقيقة نشعر بها ونراها، وقد تندرنا كثيرا بهذا إبان الخطابات الحرجة التى أخذ الرئيس السابق حسنى مبارك بإلقائها وإذاعتها بمعاونة الرجال المقربين منه، وكان يحاول من خلالها إرسال رسائل للشعب وبعض طوائفه، مثلما هو أراد أن يستدر عواطفهم نحوه، وهى عواطف بدأت معه من بداية عهده جياشة ثم هدأت ثم تململت ثم انقلبت، وحينما حاول أن يسترجعها بخطاباته تلك أثناء الثورة أتت بالنتائج العكسية باقتدار.
            الآن يأتى خطاب ما بعد الرئاسة لمبارك فى توقيت متقارب مع خطاب يكاد أن يكون الأول لرجل الدولة التنفيذى الأول: د.عصام شرف. و إذا بنا نجد أنفسنا فى موضع المقارنة، حتى مع اختلاف درجة التكليف بالسلطة، فالأول رئيس واسع السلطات والثانى رجل طلب ليرأس مجلس الوزراء فى وقت الأزمة ولا يوجد رئيسا منفردا ليجعله سكرتيرا بل مجلس عسكرى مثقل بالتكاليف والمطالب، ويحتاج لوزراء يعينونه فيحملون معه.
            الحقيقة أننى شعرت بأن الدكتور عصام شرف رجل يميل للعمل أكثر من الكلام، لكنه ليس عاجزا عنه، بل لعله زاهد فيه، وأحمد الله أنه تحدث بالعامية مخالفا لخطابات مبارك الفصيحة والخالية من الإحساس بالناس، فأول خطاب حتى ولو كان كله بالعامية هو خير من خطاب فصيح لا يصل لنا، وأظنه يضع نقاطه فى ورقة ثم يسترسل فى تفاصيلها مثل بعض الأساتذة فى محاضراتهم (وهو أستاذ جامعى)، ولعله فى المستقبل يجمع بين الفصحى والعامية مثلما كان جمال عبد الناصر أوالشيخ الشعراوى والعامية تقرب المتحدث من الناس مثلما تجعله الفصحى رسميا.
            من الحسن أن يكون شرف متجنبا لكلمات اشتهرت على لسان مبارك، مثل"الإخوة المواطنون" أو "الإخوة والأخوات" أو "مصر هى هدفنا" ومثل هذه الديباجات التى فقدت معناها على لسان مبارك، بل بسببه هو ومن شابهه بمصر وفى الوطن العربى. ولقد وجدت أن الخطاب العاطفى فى خطاب شرف أفضل وأقرب لقلوبنا فى هذا الظرف العصيب بعد الثورة التى تواجه فيه مصر تحديا جديدا مرتبطا بمبارك وهو كيفية توقيت محاسبته ومحاكمته، فلقد أصبح المجلس العسكرى فى محل الريبة لدى قطاعا من المصريين، بينما يثق فيه غالبية المصريين، لكنهم ربما ليسوا متأكدين من أن محاسبة مبارك كانت ستأتى أصلا، لكن الأزمة جعلت الطرفين ليسا فى موضع اختيار، فالحساب أصبح قادما ولا بد، حيث أن التأخير عادة ما يعطى الخطوة دفعة قوية زادها دفعا خطاب مبارك المسجل من شرم الشيخ والذى فجع الكثيرين، لا لمحتواه بل لمصدره الذى لم يعد يحظى إلا بتعاطف الأقلية القليلة.
            وتعاطف الشعب وحده ليس كافيا، حتى مع المجلس العسكرى الذى يمسك بزمام الأمور، فالشعب المصرى لديه طابع عجيب لا بد أن يعرفه كل من يحاول أن يحكمه من أول المجلس العسكرى لعصام شرف لساسة مصر فى جميع التيارات والذين أصبحت عيونهم على كراسى الحكم الآن من رئاسية لوزارية لبرلمانية، وأخص منها الكراسى التنفيذية بالذكر. هذا الشعب المصرى يبدأ مع من يحكمه بتفحص مستبشر، يزداد مع مرور الأيام قربا وثقة خاصة إذا قام بعمله على الوجه الصحيح، وليس الأمثل، فإذا كان عمل المسؤول محل تقدير وتميز، أصبح الحب جارفا، لكنه مع الوقت ومع مرور الزمن خاصة إذا أصابت الأمور ركودا معتادا يصبح الأمر ثقيلا على قلوبهم، فإذا توفرت الأسباب للضجر من قلة الأرزاق وفساد السياسة وضعف هيبة الدولة، انقلب الشعب على أعقابه سلبيا، ينتظر تحركا من قوة داخل الحكم تستبدل حاكما بآخر، أو تزيل حكمه، ثم مع مرور الوقت ينقلب على حكامه بشكل مفاجئ مثلما حدث فى ثورة 25 يناير ومن قبلها ثورة 1919 وثورة 1795م والتى استكملت بثورات القاهرة على الفرنسيين ثم صدهم لفريزر وحدهم عن رشيد، وغيرها. هذا الخروج وهذه الثورة تكون غير محسوبة وأقرب للعفوية، بل وتحتاج لمن يساعدها على ترشيد الاتجاه، مثلما يفعل المجلس العسكرى، أو مثلما أتى محمد على بعد جلاء الفرنسيين بيد عمر مكرم زعيم الشعب آنذاك. نحن الآن فى المرحلة الانتقالية لكننا نحتاج لمطالب نراها حساسة على رأسها المحاسبة لمن أفسد فى السابق، لكننا لابد أن نكون محافظين على السياق الحضارى للثورة الرائعة السلمية، وألا يكون حماس البعض مثارا لتشدد المجلس العسكرى بقدر ما يكون حافزا لتحقيق آمال الشعب المصرى والتى لا يعبر عنها بكتلته فى أغلب الأحيان.
            يا من تستعدون لحكم مصر بعد أن تنجحوا فى الانتخابات البرلمانية، كثير منكم يعرف مفاتيح قلوب وعقول الشعب المصرى ويستطيع أن يزيح الفلول المنهزمة من الحزب الوطنى الديمقراطى بسهولة قد تثير تعجبكم أنفسكم، لكننى أناشدكم الله أن تختاروا من بين أنفسكم لمناصب السلطة التنفيذية (فى حالة الحكومة البرلمانية أو الحكومة المعينة بتوافق حزبى من قبل الرئيس فى نظام رئاسى). أناشدكم الله أن تختاروا من بين أنفسكم رجالا لديهم الخبرة العملية والقدرة أكثر مما لديهم من القدرة الخطابية، فنحن نحتاج لمن يقوم بعمل قوى يسحب مصر من هوة كادت أن تقع فيها لكى تنهض من كبوتها، ولتجعلوا لهم من رجال الكياسة السياسية والحديث المنسق مستشارين ومعاونين. ولتضعوا من بين أنفسكم هؤلاء الرجال المهرة، حتى ولو استدعى الأمر أن تستدعوهم ليشاركوكم فى أحزابكم وائتلافاتكم دونما قدرة على المشاركة السياسية الواسعة والتى تأخذ من أوقاتكم الكثير، فهؤلاء مخزون مصرى لا بد له من أن يكون فى طليعة البناء، وأن تضعوهم فى المناصب التنفيذية لمصلحة أحزابكم ولمصلحة مصر سويا، ولكى تخرج لمصر القدوة البشرية التى تكون أول صف يبنى عليه من شباب سيُستدعون بمرور الأيام لصدارة المشهد، ولا بد لهم من أن يحسنوا اختيار القادة من بينهم مع تراكم الخبرات والبناء. ولتحذروا خلال المرحلة القادمة أن تستعجلوا غضب الشعب عليكم بسوء تقدير أو بطء فى الحركة، مثلما تعيبون على من يقومون الآن بإدارة الدفة، فالشعب المصرى ذكى مثلكم، ويحتاج لحركة حقيقية وقوية فلا يجب على من يسعى لمناصب الحكم منكم ألا يكون أقل من طموحات الشعب، وإلا سيُفرز سريعا ليُستبدل، وهذه طبيعة الثورات التى تريد طموحات عريضة مثل ثورتنا هذه، فلنا الله ليهدينا وليولى من يصلح بأصواتنا.

No comments:

Post a Comment