Tuesday, March 15, 2011

الطريق الثالث بدلا من لا ونعم


هناك الكثيرون ممن دعوا لرفض التعديلات الدستورية المقترحة من قبل اللجنة التى شكلها المجلس العسكرى القائم بأعمال رئيس الجمهورية، وذلك لعدة أسباب وجيهة منها أن الشرعية الدستورية لا تحتمل ترقيع دستور يحمل من العيوب أكثر من المزايا. أما دعاة الموفقة فإما أنهم يحملون مصلحة بوجود مجلس الشعب القادم (وهذا أمر لن نتأكد منه إلا بالتجربة فى الصندوق) أو أنهم يرون على أرض الواقع اشتباكات لاستمرار الحكم بالمجلس العسكرى، مع صعوبة الانتقال لمجلس رئاسى مع غياب المؤسسات وخطورة تمديد الوضع المؤقت، بل إن البعض وصل لأن الفائدة فى تمديد الوضع الانتقالى هى نوع من تحييد الجماهير التى لا تحتاج وصاية من باب أنها لم تصل بعد لمستوى الديمقراطية والوعى الديمقراطى الكافى.
يخاف الداعين للرفض من الثورة المضادة ممثلة فى حزب أصحاب المصالح الذين ربما يكون الإجهاز عليهم بسرعة التحركات الثورية أشد نجاحا من تركهم سنة وبضعة شهور لترتيب أوضاعهم، بينما يخاف الداعين ل"نعم" من تململ الشارع من عدم الوصول لإصلاحات حقيقية طالما لم يستطع المجلس العسكرى إجراء تغييرات جذرية فى البنية القانونية والإدارية للدولة خلال الفترة الانتقالية.
لوهلة تصورت نفسى فى اللجنة الانتخابية وأسود البطاقة ب"نعم" وب"لا" كليهما مبطلا صوتى، ولعل ما أوحى إلى بذلك أحد الاستفتاءات الاستطلاعية التى وجدت المجيبين ب"نعم" 43% والمجيبين ب"لا" 47 % والباقين لم يحددوا بعد رأيهم، فهل من الممكن أن نخرج من استفتاء مثل هذا للعجلة بنتيجة تعادل أو هزيمة سلبية للأطروحتين المستفتى عليهما.
وياترى ما هى التتابعات التى ستحدث، بالرغم من قناعتى أن هذا الحل قد يكون سحريا وسيؤدى لنفس نتيجة لا بالضبط، وهو الشروع فى انتخاب جمعية تاسيسية للدستور من قبل الشعب الذى يخاف البعض من أن يأتى بالحزب والوطنى والإخوان سويا ليتآلفوا بعيد ثورة فرقت بينهما تفرقة دموية، فهلا أجابنى أحد العاقلين هل يمكننى أن أكون زمهلويا بدلا من تشجيع الأهلى أو الزمالك؟

Saturday, March 5, 2011

النقل البحرى ولاجئى مصر فى تونس



          قامت القوات المسلحة المصرية ببعث قطعتين بحريتين لتونس (حلايب وشلاتين) لترجع بكميات كبيرة من المصريين الذين لجؤوا للحدود التونسية لقربها من طرابلس العاصمة الليبية والتى لم تستقر الأوضاع حولها وبها على قرار موحد مع الثورة أو مع القذافى. ثم تزايدت الأعداد حتى أعلنت فرنسا وبريطانيا مشاركتهما فى إرجاع 11 ألف مصر للأسكندرية، كما شاركت العديد من الدول بإعادة المصريين بالطائرات من تونس، مع مصر.
          لكن ما أثارنى هو عدم وجود قطع بحرية مصرية تذهب لتونس لتأتى بالمصريين مشاركة من القطاع المدنى مع القطاع العسكرى. تذكرت ركوبى إحدى عبارات السلام المملوكة لممدوح اسماعيل قبل أن يسقط وتسقط شركته، فى طريقى من السويس لجدة، والحقيقة لم تكن هذه العبارة سيئة فى حدود الرحلة. لكننى سافرت بعد حادث العبارة للمملكة العربية السعودية للعمل، وفكرت فى الرجوع بالبحر، فسألت عن نفس الخط البحرى بين جدة والسويس، فقيل لى أنه قد أوقف، ولا يوجد إلا جدة-سفاجة وبسعر يقارب سعر بعض الخطوط الجوية، وكان النقل البرى يجرى بعبارتين أو لنشات سريعة من ضبا لسفاجة خلال ساعات لعبور البحر الأحمر بين البلدين، وهاتين العبارتين كانتا هدية سعودية للنقل البحرى بين البلدين.
          سؤالى هو: أين شركات الملاحة البحرية المصرية، ولماذا لم تنشأ شركات جديدة لإبقاء الخط الملاحى الهام للعمرة والحج فى البحر الأحمر، من قبل رجال أعمال آخرين؟ وهل كان ممدوح إسماعيل هو المحتكر الوحيد لهذه الوسيلة الهامة للنقل؟ أليس هذا مجالا للمكسب بالنسبة لرجال الأعمال الوطنيين، ومجالا لقوة مصر ومشاركة القطاعات المدنية فى أى أزمة شبيهة بأزمة المصريين العالقين بتونس؟
سؤال لا بد أن نجيب عنه فى المستقبل القريب خاصة بعد ثورة المصريين على الكثير من المفاسد، ومنها الاحتكار والبحث عن الربح بلا بناء حقيقى لقدرات مصر، وخاصة مع رئاسة الوزراء لرجل خبير فى النقل على مستوى عالمى مثل د. عصام شرف.

Friday, March 4, 2011

تركيا وماذا نستفيد منها

تركيا كانت نموذجا ملهما للإسلاميين الشباب، وربما للمدافعين عن الديمقراطية، مقالتان قرأتهما وأرى أنهما ربما يعطيانا جزءا من الصورة:
1-

إنشاء مجلس أمن قومي، بناء أحزاب قوية، الأولوية للتصنيع والتصدير

ثلاثة نماذج تركية تصلح لمصر الديمقراطية (كارنيجي)

محمد حامد

قِيل الكثير عن "النموذج التركي" ومدى ملائمة تطبيقه في مصر، لكن من غير المعقول تطبيق تجربة وطنية بحذافيرها كنموذج لدولة أخرى. في الوقت ذاته لا تخلو التجربة التركية من ثغرات ومشاكل. ومع ذلك، فإن هناك ثلاث تجارب تركية هامة يمكن الاستفادة منها في مصر حاليًا:
أولها: إنشاء "مجلس أمن قومي"؛ مصر بحاجة لهذا المجلس لتنظيم العلاقة في المستقبل القريب والبعيد بين القوات المسلحة والقادة المدنيين المُنتخبين. وقد أُنشئ مجلس الأمن القومي التركي في أوائل الستينيات من القرن الماضي ليضم رؤساء أركان الجيش، والرئيس المدني، ورئيس الوزراء، والوزراء المعنيين؛ مثل وزراء الدفاع والداخلية والشئون الخارجية وغيرهم. وتكون مهمة المجلس مُنصبّة على وضع السياسة الخاصة بالشئون الدفاعية والاستراتيجية، بجانب تعزيز التوافق في الآراء بين القيادات العسكرية والمدنية. كما أنه يضمن للجيش دورًا وصوتًا في الدولة الديمقراطية، ويُؤمّن مساعدة الجيش في التحول نحو الديمقراطية بشكل آمن وبعيدًا عن أي فوضى أو فراغ.
مجلس كهذا من شأنه طمأنة الجيش إلى أنه سيكون له دور ورأي في النظام الديمقراطي الجديد، بينما في المقابل يحظى المجلس بدعم القوات المسلحة لضمان انتقال آمن ومستقر نحو الديمقراطية دون أن يتدهور الوضع إلى حالة من الفوضى، أو تحاول أي طائفة اختطاف التحوّل الديمقراطي.
بناء المؤسسات السياسية والقوانين الملائمة
ثانياً: بناء أحزاب قوية.. مصر بحاجة إلى تحرك سريع لبناء المؤسسات التي من شأنها تحقيق الديمقراطية وتفعيلها. قد تبدو عملية الإطاحة بالطاغية سهلة مقارنة بالتحدي المُتمثّل في بناء المؤسسات والسلوكيات الديمقراطية. فمن المستحيل التغلّب على آثار ستين سنة من الحكم المستبد بسهولة. إن عملية التحوّل الديمقراطي في تركيا استغرقت عقودًا طويلة؛ تعثّرت فيها مرارًا بسبب الانقلابات والنكسات. أمام مصر فرصة سانحة للتعلم من تجارب تركيا وإندونيسيا والكثير من البلدان في آسيا وجنوب أوروبا وأمريكا الجنوبية؛ لإحداث تحوّل أسرع وأكثر ثباتاً نحو الديمقراطية.
ولتحقيق ما سبقت الإشارة إليه، فإن مصر تحتاج إلى قوانين انتخابات برلمانية ومحلية ورئاسية جديدة. وسيكون على المدى الطويل التمثيل النسبي أكثر ملائمة على المستويين البرلماني والمحلي لضمان تمثيل واسع لألوان الطيف السياسي الجديد في مصر.
أما على المستوى الرئاسي، لا بد أن تضمن القوانين الجديدة عملية انتخابية مفتوحة بمعنى الكلمة على أن يتم في الوقت ذاته بناء الخطوات التي تمكّن الأحزاب الجديدة والمرشحين من بناء قاعدة سياسية فعلية من خلال انتخابات حزبية أو انتخابات في كل منطقة. قد تستطيع مصر  تكوين لجنة وطنية عليا لصياغة قوانين انتخابية جديدة تتألف من خبراء مصريين في القانون والسياسة؛ لاستعراض الخيارات المختلفة وتقديم النصح بشأن أنسبها للمرحلة المقبلة.
الانتخابات تُعد أمرًا خاليًا من أي مغزى من دون وجود أحزاب سياسية فاعلة تستطيع عرض مطالب الشعب، وتقديم البدائل السياسية، وطرح المرشحين. وبعد عقود طويلة من الديكتاتورية، سيتطلب بناء هذه الأحزاب السياسية دعمًا أساسيًا من الحكومة الانتقالية في مصر ومساعدة كبيرة من المجتمع الدولي.
لقد أوحى شباب ميدان التحرير بظهور اتجاه جديد في العالم العربي، يرمز إلى المواطن والديمقراطية والحرية والتعددية والعدالة الاجتماعية. هؤلاء الشباب بحاجة لفرصة تتيح لهم الانتظام في حزب سياسي فاعل. في الوقت ذاته، فإن الأحزاب الأخرى الموجودة من قبل بحاجة أيضًا إلى فرصة لتقييم الواقع الجديد، وتجديد أجنداتها، والإعداد للانتخابات المقبلة.
أما بالنسبة للحركة المعروفة بأنها الأكثر تنظيماً في مصر، جماعة "الإخوان المسلمين"، فأمامها بلا شك الكثير والكثير لتدرسه من التجربة الانتخابية الغنية للحركة الإسلامية في تركيا. فقد أدرك الإسلاميون في تركيا منذ سنوات أن عددًا قليلاً فقط من الناخبين هم الذين تدفعهم الاهتمامات الدينية البحتة، وأن أجندة دينية ضيّقة لها نفعها، لكن ضررها أكبر من حيث أن الخصوم سيزدادون، وبالتالي، فإن حزب "العدالة والتنمية" التركي تجاوز الدين بحد ذاته كبرنامج سياسي. ورغم أن المعروفين بتدينهم الشديد يُشكّلون جزءًا هامًا من قاعدته، فإنه في الوقت ذاته يصف أجندته الاجتماعية والثقافية بأنها "محافظة" وليست دينية، علاوة على تطويره مجموعة كاملة من المواقف في شأن القضايا السياسية والاقتصادية الرئيسة التي تهم الشعب التركي. وعلى غرار الأحزاب الأخرى في الغرب اليوم، فإن حزب "العدالة والتنمية"، يحصل على أصوات قاعدة مقتنعة أيديولوجياً، لكن الأصوات التي تؤمّن له الأكثريات وتسمح له بالفوز في الانتخابات مستمدة من طيف واسع من الناخبين يختارونه بسبب سياساته في الحكم، لا بسبب أجندته الثقافية.
كيف تواجه مصر البطالة؟
ثالثا: الأولوية للتصنيع والتصديرً، وأخيرا فإن مصر تحتاج بحاجة لما كانت إليه تركيا قبلها من تعديل سياساتها الاقتصادية، والشروع في سياسة تصنيعية جادة يقودها الخبراء المعنيون. فبجانب المطالب السياسية التي طالب المصريون، كان هناك دوافع رئيسة وراء الاحتجاجات؛ تكمن في حالة اليأس التي أصابت الشباب بسبب البطالة وواقع الفقر المدقع والتهميش. إن سياسات التحرير الاقتصادي التي انتهجتها مصر منذ سبعينيات القرن الماضي لم تحقق سوى معدلات محدودة من النمو (4 – 5 في المئة)، ولم تقابلها معدلات مرتفعة في التوظيف. ويكمن السبب في ذلك إلى أن النمو دخل قطاعات معينة كالعقارات والأعمال المصرفية والسياحة والخدمات وغيرهم، والتي التي لا تُوفّر سوى وظائف محدودة أو ذات أجر زهيد.
وكما أدرك القادة من تركيا حتى الصين؛ فإن الطريقة الوحيدة للبلدان التي تضم عددًا كبيرًا من السكان للخروج في شكل حاسم من مشكلات التخلف الاقتصادي تتمثّل في التركيز على عمليتي التصنيع والتصدير. ومن دون شك، فأن هذه السياسة تشمل في طياتها التصنيع والتصدير الزراعيين، حيث أن القطاع الزراعي يغطي فئات واسعة من هذه المجتمعات. لقد تطورت تركيا بفعل سياسات التصنيع والتصدير، أما بالنسبة لمصر فإنها تمتلك وفرة في القوة العاملة وتتمتع بموقع استراتيجي، وهما عاملان يدفعان نحو  نجاح اقتصادي مماثل لتركيا، حيث أن الأخيرة لم تكن تختلف كثيرًا قبل عشرين سنة فقط.
لقد كشف المصريون عن إرادتهم في تغيير بلادهم. ما تم هو الأسهل، والآن تبدأ المهمة الأكثر تعقيدًا في تنفيذ تلك الإرادة على أرض الواقع في شكل مؤسسات سياسية واقتصادية واجتماعية دائمة. وتستطيع مصر خلال تلك العملية أن تستفيد الكثير من التجربة التركية الأخيرة، وليس من الأهمية بمكان أن تأخذها بكامل نواحيها، كما يمكنها الاستفادة من تجارب دول أخرى تأثرت بالثورة المصرية وفي نفس الوقت جاهزة لمد يد العون بالخبرة والمساعدة.
المصدر: 
http://www.onislam.net/arabic/newsanalysis/newsreports/islamic-world/129192-2011-02-26-13-44-31.html
2- أربكان الذي عرفته
السفير/ محمد والي
الجمعـة 04-03-2011


بدأت عملي في السفارة المصرية بأنقرة في سبتمبر 1977 وكان وقتها نجم الدين أربكان عَلَما بارزا في السياسة التركية إذ كان زعيم حزب: “السلامة الوطني” ذو الاتجاه الإسلامي؛ لكن معرفتي به بدأت في العام التالي 1978.

في ذلك العام، وصلت السفارة دعوة لشخصيتين تركيتين لحضور المؤتمر السنوي لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف. هاتان الشخصيتان هما: الشيخ/ علي أرسلان أيدين، والدكتور نجم الدين أربكان أو كما يسميه الأتراك: “أربكان خوجة” أي الشيخ أربكان.

أما الشيخ علي أرسلان؛ فقد عرفته قبل ذلك، وكان من أعز أصقائي في أنقرة، وهو عضو في مديرية الشؤون الدينية التركية، وهي التي تتولى الفتوى والإشراف على المساجد وتكوين الأئمة والخطباء. كان الشيخ علي قد تلقى تعليمه العالي في الأزهر حيث حصل على شهادة “العالمية من درجة أستاذ” (الدكتوراة) في أصول الدين. كان من المعتاد في الاتصالات الدبلوماسية أن توجه الدعوة إلى الخارجية التركية، وهي التي تخطر المدعوين، وقد تم ذلك بالفعل، ولكني أخطرت صديقي الشيخ علي أرسلان بالموضوع؛ فسألني إن كنت تحدثت إلى الدكتور أربكان في الأمر؛ فلما أجبته بالنفي، قال من الأفضل أن تتصل به. كان وقتها الدكتور أربكان نائبا لرئيس مجلس الوزراء، فاتصلت بمكتبه على الفور، وطلبت مقابلته، وفي نفس اليوم اتصل بي مكتبه، وقال إن الدكتور أربكان يدعوك لتناول الشاي معه عصر نفس اليوم في مكتبه بحزب السلامة. استقبلني الدكتور أربكان مرحبا، وأنا كنت أفهم التركية لكن لا أستطيع الحديث بها بطلاقة، وكان الدكتور أربكان لا يعرف من اللغات الأجنبية إلا اللغة الألمانية التي لا أعرفها؛ لكن يبدو أن الدكتور أربكان قد احتاط لهذا الأمر، فقد كان معه عدد من قيادات الحزب منهم أمين الشباب، ومنهم وزير التجارة/ حسن فهمي جونيش؛ الذي كان يجيد اللغة العربية؛ لأنه من مدينة ماردين على الحدود السورية، وهي منطقة عربية، وقد قام بالترجمة بيننا. شرحت للدكتور أربكان موضوع المؤتمر وهو الاقتصاد الإسلامي.

ربما أكون قد أسهبت بعض الشيء في شرح جوانب الموضوع، فاستشف أربكان من حديثي أني متخصص في الدراسات الإسلامية. وهنا بدأ نقاش هام حول موضوع الوحدة النقدية الإسلامية، للخروج من التبعية للتكتلات الاقتصادية الأجنبية، واقترح الدكتور أربكان البدء بإنشاء وحدة نقدية باسم “الدينار الإسلامي” تضم في البداية نواة من الدول الإسلامية المهمة لتشمل بعد ذلك باقي العالم الإسلامي.

تعددت اللقاءات بيننا بعد ذلك، وفي إحدى هذه اللقاءات وكان شهر رمضان على الأبواب، اقترح أربكان أن يدعو سفراء الدول الإسلامية على مأدبة إفطار ووجدت فيه اقتراحا مفيدا للغاية، وكان قد طبع بطاقات الدعوة من قبل؛ فأحضر بطاقة وكتب فيها اسمي؛ وكنت وقتها سكرتير أول السفارة؛ فقلت له: أنا لست السفير، ويوجد قبلي في السفارة وزير مفوض ومستشار فسلمني أربع بطاقات خالية لباقي أعضاء السفارة.

وفي يوم الدعوة توجه السفراء إلى مقر الحزب؛ حيث وجدوا أربكان واقفا في الشارع أمام المبنى في انتظارهم، وكل سفير معه سائق، وبعضهم معه حارس بخلاف السائق، فأصر أربكان على صعودهم جميعا لتناول الإفطار. منظمو الحفل أجلسوني بجوار أربكان، وبجواره من الناحية الأخرى سفيرنا في ذلك الوقت/ أحمد كمال علما. اعترض القائم بأعمال الأردن، وقال لي: إن هذا مخالف للبروتوكول الدبلوماسي، فقلت له نعم، لكن لا تنسى أن أربكان زعيم سياسي منتخب، والأحزاب السياسية لها بروتوكولها الخاص. المهم نجحت الفكرة، وانتقلت من حزب السلامة الوطني بزعامة أربكان إلى حزب الحركة القومية بزعامة ألب أصلان توركيش، وكان هذا الحزب ينادي بالرابطة القومية، لكنه لا يغفل الإسلام كعنصر أساسي للشخصية التركية؛ فالأتراك مثل العرب كانوا قبل الإسلام قبائل متنازعة لا شأن لها فارتبط ظهور الأتراك في العالم بالإسلام، بل إنك لتجد هذا واضحا في الفنون التركية حين يكون الرمز لتركيا هو الجامع والمنارة والمئذنة وصوت المؤذن.

كان شعار حزب السلامة الوطني هو المفتاح، وبالفعل كان أربكان وحزبه مفتاح السياسة التركية في ذلك الوقت؛ فقد كان في المشهد السياسي التركي أربعة أحزاب رئيسية: حزب الشعب الجمهوري برئاسة بلوند أجاويد – وهو الامتداد التاريخي للحزب الوحيد الذي حكم به أتاتورك، وحزب العدالة بزعامة سليمان ديمريل وهو امتداد للحزب الديمقراطي الذي أنشأه عدنان مندريس بعد نهاية عصر أتاتورك، وأعاد به الوجه الإسلامي لتركيا، وحزب السلامة الوطني بزعامة أربكان، وأخيرا حزب الحركة القومية بزعامة ألب أصلان توركيش. كانت نتائج الانتخابات لا تسفر عن فوز حزب واحد من هذه الأحزاب بأغلبية تمكنه من تشكيل الحكومة بمفرده، وكان لابد من تشكيل حكومات إئتلافية، ومن هنا كان حزب السلامة هو رمانة الميزان لتشكيل الحكومة بحيث يمكنه الاختيار بين أحد الحزبين الكبيرين: حزب الشعب أو حزب العدالة. وكانت هناك نكتة في تركيا – تعبر في الحقيقة عن هذا الموقف، يحكى أن سليمان ديمريل، وبلوند أجاويد، ونجم الدين أربكان، كانوا زملاء في مدرسة واحدة وفي فصل واحد فسأل المدرس سليمان ديمريل ماذا تحب أن تكون في المستقبل، فقال: أحب أن أكون رئيسا للوزراء، وسأل أجاويد فأجاب بنفس الإجابة أريد أن أكون رئيسا للوزراء ثم سأل أربكان فقال: أحب أن أكون نائبا لرئيس الوزراء، فقال المدرس ولماذا لا تكون رئيسا للوزراء مثل زميليك فقال لأنه سواء أكان هذا أو ذاك رئيسا للوزراء فسأكون على الدوام نائبا لرئيس الوزراء. لا زلت أحتفظ بالمفتاح الذي أعطاه لي أربكان في صورة مدالية كان يضعها أعضاء الحزب في عروة سترتهم؛ فقد كان هذا المفتاح سر منجزات أربكان.

فقد كان بإمكان حزب السلامة لترجيح الكفة أن يشترط حقائب وزارية معينة لتطبيق برامجه، وإن كان فكريا أقرب لحزب العدالة. كان أربكان يحرص على أن تكون معه وزارات التعليم والصناعة والتجارة كما كان حريصا على أن يمتد نفوذه إلى اتحاد الإذاعة والتلفزيون، وبذلك استطاع أن يحقق منجزات هامة منها: أن عدد مدارس الأئمة والخطباء منذ أنشأها عدنان مندريس في الستينات (وهي مدارس تشبه في مناهجها مدارس الأزهر الشريف) كان عددها 56 مدرسة، زادت في سنوات حزب السلامة الثمانية (1972/1980) إلى 340 مدرسة. وكان مندريس قد أنشأ كلية واحدة لأصول الدين في أنقرة أصبحت مع حزب السلامة 12 كلية في مختلف الجامعات التركية. منذ انقلاب أتاتورك اللاديني كان على الأتراك الراغبين في التعليم الإسلامي أن يتجهوا إلى مصر أو سورية أو العراق حيث كان تعليم الدين ممنوعا، وقد أعاد أربكان تعليم الدين إلى المدارس التركية العادية وحين احتج اللادينيون قال أربكان إن الشعب التركي مسلم ولا بد من أن يتعلم دينه في المدارس ومن لا يريد تعليم الدين لأولاده يطلب ذلك من المدرسة، وهذا أمر لا يحدث عادة وسط شعب متدين. ثم أصبح صوت المؤذن يسمع في الإذاعة والتلفزيون وتذاع الاحتفالات الدينية (يسميها الأتراك قنديل) على الهواء مباشرة.

ليس هذا فحسب بل إن أربكان هو مؤسس النهضة الصناعية الحديثة في تركيا – بالمناسبة أربكان خريج كلية الميكانيكا من أكاديمية الهندسة باستانبول، و مؤسس شركة (المحرك الفضي) وأول رئيس لمجلس إدارتها 1956/1963 وهي لا زالت أكبر شركة لصناعة محركات الديزل في تركيا، بالإضافة إلى قفزات هائلة في مختلف الصناعات. يؤثر عن أربكان قوله: إن صناعة المكرونة أو الشكولاتة ليست هي الصناعة التي نريدها؛ إنما نريد الصناعات الثقيلة، والآن تركيا تصدر المنتجات الصناعية إلى مختلف أنحاء العالم، وفي الصناعات الحربية تصنع سلاحها وتبيع الأسلحة وكافة الذخائر تصنع الطائرة كما تصنع الفرقاطة.

كانت المملكة السعودية تعطي أربكان طائرة خاصة لأداء فريضة الحج كل عام مع أركان حزبه، وفي عام 1979 دعاني أربكان للحج معه؛ فاعتذرت منه، وكان الموقف محرجا، خاصة وأن علاقات أربكان تلبدت مع السادات بعد توقيع معاهدة كامب دافيد وانتقاد أربكان لها.

لقد أسس نجم الدين أربكان أول حزب سياسي إسلامي في تركيا عام 1970 باسم حزب: “النظام القومي" قامت المحكمة الدستورية بحله عام 1971 بدعوى مناقضته للدستور اللاديني، فأنشأ في عام 1972 حزب: “السلامة الوطني".

اتخذ أربكان قرار غزو قبرص عام 1974 حين كان مشاركا في حكومة إئتلافية مع بلند أجاويد، ففي ذلك العام وقع في الجزيرة انقلاب عسكري وتم طردرئيس قبرص الأسقف مكاريوس، ونشطت العصابات المسلحة لقتل وترويع الأتراك، ومن المعلوم أن جزيرة قبرص تبعد عن الشاطىء التركي بخمسة وسبعين ميلا فقط وكانت تابعة للدولة العثمانية قبل هزيمتها في الحرب الكبرى الأولى، وبها جالية تركية كبيرة أو في الحقيقة سكانها إما أتراك أو يونان، واستيلاء اليونان عليها يجعلها مصدر تهديد خطير لتركيا. المهم هنا هو أن الولايات المتحدة أخذت الجانب اليوناني في النزاع حول قبرص رغم أن تركيا عضو في حلف شمال الأطلنطي (الناتو)، مما جعل تركيا تغلق قاعدة إنجيرليك الأمريكية شرق تركيا. ظلت هذه القاعدة مغلقة لأكثر من عشرين عاما ثم أعيد فتحها بشروط جديدة تجعلها تحت سيطرة تركيا.

في صيف 1980 قاد أربكان مظاهرة مليونية في مدينة قونيا (وسط الأناضول) لنصرة فلسطين و المسجد الأقصى، قال فيها: "إن قضية فلسطين لا تخص الفلسطينيين وحدهم ولا العرب وحدهم؛ وإنما هي قضية المسلمين جميعا".

ليسمح لي القارىء أن أتوقف هنا لأتحدث قليلا عن مدينة قونيا – والتي تشبه كثيرا مدينة طنطا وسط الدلتا، إذ كما ترتبط طنطا بالسيد البدوي، ترتبط قونيا بالشيخ جلال الدين الرومي، مع ملاحظة أن أربكان كان نائبا عن مدينة قونيا. مولانا جلال الدين الرومي هو محمد بن محمد بن حسين البلخي (نسبة إلى بلخ من بلاد ما وراء النهر/ أفغانستان حاليا) ولد في بلخ ولم يكد يبلغ الثالثة حتى غادرها مع أبيه إلى بغداد حيث نزل أبوه بالمدرسة المستنصرية ثم قام برحلة واسعة زار خلالها دمشق ومكة وملطية إلى أن استقر بقونيا وعمل فيها بالتدريس حتى وفاته عام 628 هـ، فخلفه في التدريس ابنه جلال الدين الذي عرف بالشيخ الرومي. من أشهر أعمال الشيخ الرومي أو مولانا جلال الدين "المثنوى" الذي يعتبر أضخم ديوان شعر في العالم إذ يضم عشرة آلاف بيت كل اثنين على قافية واحدة، وهذا هو سر تسمية الديوان بالمثنوي. ترجم المثنوي إلى اللغة العربية المرحوم الدكتور/ إبراهيم الدسوقي شتا، وصدر عن مكتبة مدبولي بالقاهرة.

الطرق الصوفية منتشرة في تركيا ولعبت أدوارا هامة في التاريخ العثماني، وكانت الطريقة البكتاشية أكثر هذه الطرق التصاقا بالعسكرية العثمانية، وفي عصور الازدهار كان يقيم إقامة دائمة بكل معسكر للانكشارية وكيل للطريقة البكتاشية مع عدد من المنتسبين لها (المريدون) يلعبون دورا هاما في التعبئة الروحية للقوات المسلحة، وفي الحملات الحربية يتقدم الشيخ (بالتعبير التركي بابا) وهو يصيح بأعلى صوته: "كريم الله" فيردد المريدون: هو هو. ومن ثم بدأت الحرب عليها مبكرا مع نمو حملات التغريب في عهد السلطان محمود الثالث، ولم تستقر هذه الحملات إلا بعد صراع دامي مع الانكشارية إنتهى بإبطال فرق الانكشارية وإبطال الطريقة البكتاشية معها. وبعد انقلاب أتاتورك ومحاولة فرض التغريب وإسدال الستار على ألف سنة من تاريخ الترك مع الإسلام أو تاريخ الإسلام مع الترك قضي أتاتورك بإبطال الطرق الصوفية جميعا.

الطريقة الوحيدة التي استعصت على الإبطال هي الطريقة المولوية (نسبة إلى مولانا الرومي) في قونيا ومن هنا تبرز قونيا باعتبارها المعقل الأخير للحضارة العثمانية، والشرارة الأولى التي انطلقت منها تلك الحضارة في ثوبها الجديد. في كل مدينة تركية يوجد تمثال لأتاتورك إلا قونيا، في تركيا هيئة حكومية تشرف على تماثيل أتاتورك؛ لكن قونيا استعصت عليها ما أن يوضع التمثال حتى يختفي.

من المعروف أن إسرائيل تستخدم حزب العمال الكردستاني كورقة ضغط على تركيا، ومن المعلوم تاريخيا أن المشكلة الكردية لم تظهر إلا بعد انهيار الدولة العثمانية التي لم تكن دولة قومية بحال ومن المعروف كذلك أن منطقة كردستان كانت معقل المقاومة لأتاتورك ومشروعه اللاديني ودارت معارك حامية في كردستان بين أتاتورك والحركة الإسلامية الكردية بزعامة الشيخ سعيد النورسي، والتي استمرت بعد النورسي في صورة طلاب رسائل النور، وهي رسائل في التوحيد ألفها الشيخ، وقد تحولت من حركة كردية إلى حركة تركية عامة لا يقتصر دورها السياسي على منطقة كردستان. أدرك أربكان جيدا أن المشكلة الكردية لا يمكن أن تحل إلا في إطار إسلامي جامع يتجاوز المفهوم القومي الضيق.

كل هذه النذر كانت كافية لتدفع الصهيونية العالمية بورقة الانقلاب العسكري، الذي قام به رئيس الأركان الجنرال/ كنعان إفرين في 12 سبتمبر 1980. هذا الانقلاب الدموي أدى إلى اعتقال أربكان وعدد من رجاله، كما أدى إلى مقتل واختفاء عدة آلاف؛ وبالرغم من ذلك فإن المكاسب التي تحققت على يد أربكان كان لا يمكن إلغاؤها، فبعد أيام حل موعد الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج، وكان الاحتفال يذاع مباشرة من مسجد السلطان محمد الفاتح باستانبول، وبعد التواشيح والأناشيد، قام إمام الجامع لإلقاء خطبته، وفي نهايتها دعى للإسلام والمسلمين، ثم لصاحب الجامع الساطان محمد الفاتح، ثم لمؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك، وهنا قذفه المصلون بأحذيتهم وقطع الإرسال، ولما سألت الشيخ علي أرسلان عن رأيه فيما حدث كان تعليقه: “إنه شيخ أرتيست".

خرج أربكان من المعتقل – بعد ثلاث سنوات - ليواجه حكما بحظر مشاركته في أي نشاط سياسي لمدة عشرة أعوام، عاد بعدها ليؤسس حزب: “الرفاه". دخل حزب الرفاه الانتخابات البرلمانية عام 1996 حيث حصل على أكبر عدد من المقاعد بالقياس للأحزاب الأخري، لكنه لم يتمكن من تشكيل الحكومة بمفرده. فتكونت حكومة ائتلافية برئاسة أربكان وبالاشتراك مع حزب الطريق القويم بزعامة تانسو تشيللر. لم يكمل أربكان عاما واحدا (تسع شهور بالتحديد) في رئاسة الحكومة حتى أنذره الجيش، وقام بانقلاب صامت عليه في 28 فبراير 1997. في هذه الشهور القليلة التي بقي فيها أربكان رئيسا للوزراء بدأ في المجال الخارجي تحقيق برنامجه في الانفتاح على العالم الإسلامي، فأعلن عن تكوين مجموعة الثماني الإسلامية التي تضم إلى جانب تركيا أكبر سبع دول إسلامية: إيران وباكستان وإندونيسيا ومصر ونيجريا وبنجلاديش وماليزيا. وقد اقترح أربكان أن تكون هذه المجموعة نواة تحقيق مشروع الوحدة النقدية الإسلامية (الدينار الإسلامي)، وهو المشروع الذي سبق أن ناقشه معي منذ ثلاثين عاما.

لم تكتف القوى اللادينية في تركيا بإفشال حكومة أربكان بل أقدمت على حظر حزب الرفاه عام 1998وتقديم أربكان إلى المحاكمة بتهمة مناهضة اللادينية، ومنعه من مزاولة النشاط السياسي لمدة خمس سنوات. لكن أربكان تمكن من إنشاء حزب آخر باسم: “حزب الفضيلة" بزعامة أحد معاونيه وهو محمد رجائي قوطان. وكما هي العادة تربص الملاحدة بحزب الفضيلة فقضت المحكمة الدستورية بحله في عام 2001.

بعد حل حزب الفضيلة نشأ حزبان إسلاميان في تركيا حزب السعادة برئاسة رجائي قوطان، وحزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان، وبعد المؤتمر الدولي الثالث لحزب السعادة عام 2008 انتخب البروفسور/ نعمان كورتلموش رئيسا للحزب. نشأ حزب العدالة عام 2002 من المنشقين على حزب الفضيلة والذين يعتبرون أنفسهم تيار التجديد، وهم لا يعتبرون أنفسهم حزبا إسلاميا مثل أحزاب أربكان ويسمون أنفسهم "العثمانيون الجدد".

كان رجب طيب أردوغان قد انضم إلى حزب السلامة الوطني بزعامة أربكان وبعد الانقلاب العسكري عام 1980 انضم إلى حزب الرفاه وانتخب عمدة لاستانبول على قوائم الحزب عام 1994 وفي عام 1998 اتهُم أردوغان بالتحريض على الكراهية الدينية مما تسبب في سجنه ومنعه من العمل في الوظائف الحكومية ومنها الترشيح للانتخابات العامة بسبب اقتباسه أبياتاً من شعر تركي أثناء خطاب جماهيري يقول فيه:



مساجدنا ثكناتنا قبابنا خوذاتنا

مآذننا حرابنا والمصلون جنودنا

هذا الجيش المقدس يحرس ديننا



عودة إلى أربكان، فبعد انتهاء الحظر المفروض عليه عام 2003 تربص به ملاحدة أنقرة ليقدموه للمحاكمة بتهمة التحريض على الكراهية ومناهضة اللادينية حيث حكم عليه بالسجن لمدة عامين، إلا أن وصول حزب العدالة والتنمية برئاسة أردوغان إلى السلطة – في نفس العام - مكنه من إلغاء عقوبة الحبس واستبدالها بتحديد إقامته في منزله، وبوصول عبد الله جول إلى سدة الرئاسة تمكن حزب العدالة والتنمية من استصدار عفو رئاسي عام عن أربكان وذلك في 18أغسطس عام 2008؛ لكن أربكان كان قد دخل مرحلة الشيخوخة (من مواليد 1926) وأصبح على كل حال طريح الفراش حيث دخل في صراع طويل مع المرض انتهى بوفاته في 27 فبراير 2011 في أحد مستشفيات أنقرة.

وهكذا رحل الفارس النبيل بعد حياة مليئة بالكفاح، نذر نفسه لخدمة الإسلام ولقي فيها حربا شعواء من ملاحدة تركيا، ومن الصهيونية العالمية التي حارب نفوذها في تركيا وحاول أثناء رئاسته للحكومة إغلاق محافلها من أندية الروتاري والليونز، وهو الذي سبق له أن قدم مشروع قانون إلى الجمعية الوطنية التركية عام 1980 يأمر الحكومة التركية بقطع علاقاتها مع الكيان الصهيوني، كما قدم في نفس العام مشروع قانون بحظر المحافل الماسونية في تركيا؛ ولعل هذا من أسباب الانقلاب العسكري عليه في نفس العام.

كان حصيلة الكر والفر بين أربكان وخصومه خمسة أحزاب إسلامية هي على التوالي: حزب النظام القومي، حزب السلامة الوطني، حزب الرفاه، حزب الفضيلة، وأخيرا حزب السعادة، هذا بالإضافة إلى انقلابين عسكريين أولهما في سبتمبر 1980 والثاني في فبراير 1997. بالرغم من كل الضغوط التي تعرض لها أربكان، فإن توجهاته الإسلامية واضحة لا لبس فيها، وأذكر أنه بعد نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية، وأثناء أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران، سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات اقتصادية على إيران. كان وزير خارجية تركيا وقتها خير الدين إركمان، ولم يكن قد صدر قرار بعد بشأن إيران، إلا أن وزير الخارجية التركي صرح بأن تركيا سوف تلتزم بهذا القرار فور صدوره. بطبيعة الحال لم يكن هذا في مصلحة تركيا حيث أن أكبر تعاملات اقتصادية خارجية لتركيا كانت مع إيران (كانت في ذلك الوقت ٣٧٪ من حجم التجارة الخارجية التركية) هذا بالإضافة إلى أن تركيا تستفيد من عبور البضائع عبر أراضيها وموانيها من وإلى إيران، هذا إذا نحينا اعتبارات التضامن الإسلامي جانبا. هنا انبرى له أربكان وحزبه، ولما رفض الوزير تقديم استقالته، طرح أمره على الجمعية الوطنية التي أقالته من الحكومة (عام 1979).

بالنسبة لي أنا على الأقل، فإن أربكان شخصية لا تنسى، تشعر معه بألفة غريبة وكأنك تعرفه من سنين، بل وكأنك تعرفه من قبل أن تراه. وليس هذا غريبا ففي الحديث: “الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف" (البخاري من حديث عائشة، ومسلم من حديث أبي هريرة واللفظ له). وبالنسبة لملايين الناس في تركيا وخارجها سيظل أربكان رمزا لنضال مستمر وأملا في مستقبل أفضل “فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ" )١٧/الرعد-١٣(. 
المصدر:
http://www.almitro.com/11/2389.html

Saturday, February 26, 2011

إنشاء ائتلاف من المرشحين لمجلسى الشعب والشورى ليكونوا مرشحى ائتلاف شباب الثورة


          لست منتميا لحزب ولا لحركة سياسية، لكننى مثل شباب الثورة لم أجد فى سياسة الحزب الوطنى خيرا، بل إن تآلف المتعارضين تحت رايته لمصالحهم أو لمواقعهم الوظيفية، ملتفين حول شخص الرئيس كانت شبيهة بالاتحاد الاشتراكى فى زمنه. أعلم أنكم تريدون حل وإلغاء الحزب الوطنى، كما أدرك أن الجيش لن يقدم على خطوة بهذه الثورية، كما أن منهم من يعتمد على ارتباطات عائلية وخدمات فى دائرته، حتى وإن دخل مستقلا، وبعضهم رجال أعمال لهم مصالح من الحصانة واستمرار تزاوج رأس المال بالسياسة. لذلك فهم يجتمعون الآن لإعادة الصفوف وتنظيمها ولهم هدفه الذى يعرفونه جيدا: مقاعد البرلمان.
          لذلك كله أجدنى مهتما بأن أوصل رسالة هامة للغاية لثوار 25 يناير وائتلاف شبابهم.
لا بد من عما ائتلاف من مرشحى مجلسى الشعب والشورى يدعمهم ائتلاف شباب الثورة، لتحقيق تطلعات الشعب المصرى من الثورة.
وهذا الائتلاف هدفه الآتى:
1.    توحيد الصفوف بين جميع التيارات مثلما اجتمعوا فى أيام الثورة على هدف رحيل مبارك.
2.    ليس هناك وقت لعمل تنظيمات جديدة وأحزاب سياسية فى الستة الأشهر التى يريد الجيش أن يسلم السلطة خلالهم لرجال مدنيين لقيادة البلاد، ثم إحداث التغييرات الجوهرية التى يحتاجها نظام البلد حقا. وربما يكون هذا مفيدا لقلة هذا الوقت فى أن يؤخذ فيه قرارات مصيرية فى سياسات رسخت لعقود، يمكن تغييرها فى المرحلة السياسية القادمة من خلال الإصلاح التشريعى من المجالس النيابية.
3.    تفتيت الأصوات يخدم بالتأكيد مرشحى الحزب الوطنى أو من شابههم من أصحاب المصالح الضيقة الذين لن يقدموا أو يؤخروا سياسيا فى المرحلة التى نعيشها، ونزول رموز المجتمع والأحزاب والجماعات السياسية أمام بعض فى هذه المعركة هو خسارة للجميع، وثورة مضادة بأيدى الثورة.
4.    ليس التغيير من خلال المظاهرات المليونية فقط، وحتى لو استمرت حتى نهاية الستة أشهر، فإن الاندماج فى السياسة وتشكيل المشهد السياسى المصرى أمر لا بد منه فى كل الأحوال.

قراءة نقدية لمقال خطير خطير خطير


بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم
تذكرت بعدما قرأت هذا المقال وشدنى بدرجة كبيرة، أمر القراءة النقدية التى نُصحنا بها حينما حدثونا عن التعليم الجيد، وطرق القراءة الواعية، فأخذت أتدبر محتويات هذا الخطاب الذى لم يكن الأول الذى يضخم من بقايا النظام، وهذا أمر له وجاهته ولا شك، ولكنه فى هذه الخطابات يسعى لزرع اليأس من إمكانية انتصار الثورة، بل لعله يجعل الهزيمة النفسية منتشرة لفترات طويلة مثلما قيل عن أثر حرب الأيام الستة على العرب لسنين متوالية بعدها، ربما كان الاستثناء فيها أيام حرب رمضان المجيدة وما وازاها من اعتصام ووحدة لا تظهرإلا ساعة الشدائد.
          لذلك وجدت عقلى يدفعنى لكتابة هذه الملاحظات ليتدبرها من استطاع استكمال المقال الطويل، وأنا أرجو من الله أن يهدينا جميعا للحق:
1.    التشكيك فى ولاء الرؤساء والملوك له تاريخ طويل، يرتبط حينا بالتحالفات، وحينا بأعمال المخابرات، ولعل أشهر هذه الادعاءات هو ارتباط جمال عبد الناصر بالمخابرات المركزية الأمريكية، وهو أمر أسعد أعداؤه ولا شك، كما شكك البعض فى ولاء السادات واحتسبه عميلا لأمريكا أيضا، ربما لأنه قام بالتحول عن مسار عبدالناصر بشكل شبه معاكس.
 لكن هذا الادعاء يرسخ معنى نظرية المؤامرة بمنطق تضخيم حجم الأعداء لدرجة أننا لن نستطيع مواجهتهم أبدا.(هذا المعنى رفضه المسيرى فى أحاديثه الطويلة حول الصهيونية واليهود واليهودية، رافضا ان يكون التفسير المرتبط باليهود أن يكونوا هم مصدر جميع المؤامرات الدولية مما يعطيهم قوى خارقة تقتل فى نفوس الكثيرين الهمة والدافع على الحركة). وهو أمر إن ثبت يحتاج لأدلة قوية لا تقف عند مجرد الظنون، قال تعالى: ((إن الظن لا يغنى من الحق شيئا)), كما أنه يوقف الإنسان عن استكمال إيمانه بقيومية الله وقدرته فوق كل العالمين، والذى يتضح بخاصة فى أمر الملك والسلطان بقوله تعالى: ((قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير))، وهو تصديق ما شاهدناه بأمهات عيوننا، حينما هرب زين العابدين من تونس، وتخلى أو تنحى مبارك فى مصر، وبكل تأكيد سيتبعهم غيرهم بإذن الله الذى يمهل ولا يهمل.
2.          هذا هو المقال الثانى الذى يستقى معلومات من ضابط بالحرس الجمهورى يحتوى معلومات وتحليلات (وهما يختلفان فى قوة حجتهما)، عن مدى انتشار الفساد وتغلغله، وهو أمر حقيقى وإلا لما كان الله دمر دولا قوية بهذه الطريقة، وهذا الفساد وشبكات المصالح موجودة بشواهد ودلائل كثيرة، ولا تهدم بمجرد معرفتها، بل تحتاج حربا مستمرة لإرجاع التشريعات لأصولها المعهودة والتى يجب اتباعها، لكن رؤية هذه الشبكات عن قرب يجعلها كبيرة فى أعين القريبين، وضخمة بما يصعب زوالها فى أعينهم، ولعل ابتعاد القائمين بأى ثورة يحميهم من هذا التصور المخيف.  لقد خاطب الله نبيه عن معركة بدر الكبرى بعدها بقوله: (( وإذ يريكموهم إذ التقيتم فى أعينكم قليلا ويقللكم فى أعينهم ليقضى الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور)) الأنفال 44
3.          قول هذا الكاتب أنه معه من المال الحلال ما يكفيه وأحفاده مدى الحياة، برغم عمله فترة طويلة مع هؤلاء الناس المشكوك فيهم. ويدعى أنه لا يستطيع إيضاح الكثير لكى لا يتعرض للانتقام إذا عرفت شخصيته الحقيقية، رغم أنه تحدث عن صفقة سياحية اعترض عليها جرانة وهو ما قد يعرضه لانكشاف شخصيته بالفعل.
 كما أنه ختم الخطاب بتعريف نفسه بأنه لاجئ سياسى، وهؤلاء اللاجئين يحملون معلومات حقيقية وهى منتشرة فى الخطاب حقا، لكنهم أيضا ينزعون إلى تكوين آراء وتحليلات تحمل تطرفا إما مع أو ضد، بشكل يزيد حتى عن الثوار أنفسهم، لما صادفهم فى تجربتهم التى تجعلهم خرجوا من المأزق المميت بأعجوبة، بعد أن كانوا فى فك الأسد.
4.          يخاطب الكاتب الشعب المصرى بعدم تصديق أى من وسائل الإعلام فى الموالاة والمعارضة، وهو لأنهم جميعا كانوا جزءا من خطة المعارضة الوهمية، وهو عودة لفكرة نظرية المؤامرة ولكن هنا التى تشكك فى الجميع ليصبحوا سواء، وهى إحدى ألاعيب النظام السابق مع المعارضين. صحيح أن الصحفيين كانوا يحملون علاقات مختلفة لحمايتهم واتخاذهم مصادر، ولكن كثير من المعارضة الوهمية هذه كانت سببا مباشرا فى ازدياد الضغط تحت الحلة التى كنا نعيش فيها ويتعجب من فارقها، كيف نصبر برغم ما يروه معنا فى برامج مثل العاشرة مساء وغيرها.
وأنا أدعو الجميع، وقد فعلنا هذا خلال الأزمة بل وقبلها، باستخدام عقله النقدى للقبول والرفض من الجميع وتكوين صورة متكاملة من جميع القصاصات المختلفة التى تجمعها من جميع المصادر.
 وكانت النتيجة لاستخدام المصريين لعقولهم وأبصارهم أن تقبلوا فساد النظام السابق ثم انتوى بعضهم تغييره بالاعتصام السلمى، فهل هذه كانت جزءا من مؤامرة ابراهيم عيسى ومصطفى بكرى أيضا،
ثم ألم يكن التفكير النقدى فى مقارنة وسائل الإعلام المتعددة سواء فى الانترنت أو فى الفضائيات المختلفة مصرية وعالمية وعربية (وكان تعددها وسيلة قوية للمقارنة)، خلال الثمانية عشر يوما، هو وسيلتهم فى كشف كذب الإعلام الرسمى لدرجة الإحساس بأنهم يتحدثون لسكان مصر فى السبعينيات.
5.          بالنسبة للجيش، ربما يكون هناك معلومات صحيحة، لكن الأمر لا يتوقف فقط على التسليح، لكن الروح المعنوية التى لم تعتمد فى الجيش المصرى لا على الارتزاق، ولا على عقيدة الحرب ضد الإرهاب، بل اعتمدت على حماية أمن مصر من مخاطر ليس اقلها التهديد الإسرائيلى الذى لم يفارق خبرات العسكريين، ولعل نموذجا مثل الشاذلى رحمه الله والذى نجا بفرقته وحارب خلال أوامر الانسحاب من سيناء خلال نكسة 1967، ومعركة رأس العش، بل واستخدام القذائف المضادة للدبابات والطائرات بواسطة مقاتلى المشاة فى حرب أكتوبر هى نماذج لانقلاب الميزان الذى يحكم به على الأحداث، وهى أمور يثبت الله بها المؤمنين لكى لا يصوا لمرحلة اليأس والتى يتمناها أى عدو لأعدائه، وبالطبع يتمناها الإسرائيليين للمصريين بالخصوص.
6.          إذا كان المدعو قد ابتعد عن الصورة بذهابه لأمريكا كلاجئ، فمن أين أتى بخطة مارس 2011، التى تريد وضع عمر سليمان على عرش مصر، وإن صحت فهذا مثال على قدرة الله الغالبة، والتى أحرقت أسهم عمر سليمان فى أقل من أسبوعين، ليمضى مع مبارك خارج الإطار، إلى غير رجعة بإذن الله. صدقت إذا حينما قررت أنهم يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.
7.          بالنسبة لةقةع أمريكا مع إسرائيل، فربما يدرك كثيرون أن إسرائيل قد وصلت خلال عملية السلام إلى الكثير والكثير مما أرادته خلال النظام السابق، وأنها تستعد لمحاولات هدم الأقصى وإحاطته بالمستعمرات وتهويد القدس، وبناء الهيكل الثالث بالقدس. ولعل الله قد أراد لها إن تقف قليلا عن غلوائها التى لم يعد يوقفها حتى الفلسطينيين فى أريحا، ولو من خلال تغير المعادلة وعدم وجود نظام توقف حتى عن التنديد بأفعالها، رغم أن المصريين لديهم من المشاكل ما لو فرغوا له لالتهوا عن إسرائيل سنينا.
8.          لا أستطيع تصور خطة مصرية أمريكية مشتركة لاحتلال العراق مهما بلغت سفالة بعض عناصر النظام، فهو إن لم يعد خطأ إستراتيجيا للأمن القومى لمصر، فسيكون واضحا للعراقيين الذين لم يكونوا جيشا ورقيا بالتأكيد.
9.          فى النهاية أرجو أن يدرك جميع أبناء مصربعض أمور:
a.     أن اختيار الديمقراطية ليس نهاية المطاف بل هو البداية لكفاح آخر لاستخدام وسائل الديمقراطية لتحقيق مصالح مصر والمصريين فوق المصالح الشخصية والتى يصل إليها حتى بعض المجاهدين إن هم ركنوا للراحة واستلمتهم فرق النفاق وتصنيع الفراعنة، بل وفى الديمقراطيات إن قلت قوة المحاسبة ونزع الناس لتقديس الرجال، لا احترام المواقف وتثمينها.
b.    لن يصل المصريون لكل ما يريدون دفعة واحدة، بل يجب أن يبدأوا بالإطار الصحيح، والذى قد يأخذ مع زيادة القدرات الديمقراطية بإيجاد تعديلات لدولة برلمانية، قد يأخذ بضع سنوات مع ازدياد قوة الأحزاب والقوى السياسية التى تحتاج حقا للنضوج فى بوتقة الثورة التى سيستمر مسارها فى هذا الإطار السياسى، كما سيظهر فى مشاركة ونبوغ أبنائها أبناء مصر فى المجالات المختلفة علما وأدبا وفنا وتقدما فى الزراعة والصناعة والخدمات.
c.     لا توجد ثورة تنجح بنسبة 100% أو تفشل بنسبة 100%، وهذا يعتمد على جهد وكفاح أبنائها ووعيهم، وعدم الانسياق لأفكار تأخذهم للتطرف الذى قد يقضى عليهم، فقد أصاب ثورة 1952 هذا الخوف المرضى من المؤامرات حتى أنهم رفضوا وجود معارضة، وأخذوا يعدون العدة لمواجهة أى تدخل خارجى، فأدخل بعضهم بتقادم الثورة العنصر الخارجى بأيديهم حتى أنهم ظلوا يقولون لنا: القوى الخارجية، ونحن نعلم بأنهم يقومون بالتعاون مع هذه القوى الخارجية أكثر من أى طرف مشتبه فيه، فانقلبت دعواهم عليهم، وذاقت دولتنا العسكرية من نفس الكأس الذى جرعته لمعارضيها.

Thursday, February 17, 2011

الثعلب فات فات وفى ديله سبع لفات

الثعلب فات فات وفى ديله سبع لفات
(الخدع السبع والمكر الذى أصاب الماكرين فى مقتل)

هذا التصور هو بالتأكيد قاصر لكنه محاولة لتجميع عناصر الصورة أثناء ثمانى عشرة يوما من أحداث الثورة التى اختلف الناس فى اسمها أثناء تبلور الحدث وحتى حدوث التنحى الذى لم يصدق كثير من المتابعين أن يكون هو خاتمة المطاف.
حاولت إدارة الرئيس السابق مبارك أن تدير الأزمة فى مصر بمنطق المعركة العسكرية، واستخدام المناورات والتأثير المعنوى بالشائعات والخدع التكتيكية. وكان شباب مصر قد أيقن بإمكانية إسقاط النظام لما نصر الله شباب تونس قبل أيام من الخامس والعشرين من يناير، وباستخدام مواقع الفيس بوك والتويتر للحشد وجمع الناس الذين جعلهم النظام غير مسيسين، لكنه لم يستطع نزع الوعى من أدمغتهم، رغم السطحية والسلبية اللتان أشاعهما النظام مع الخوف الطاغى من اللعب بالنار (السياسة).
          وخلال الأزمة التى ظننا نحن فى مصر أن النظام استعد لها، وحينما بدأت طلائع الرجال الذين أشعلوا النار فى أنفسهم احتجاجا أمام مجلس الشعب أو مبانى محافظاتهم، ظهر أن الخطط التى كانت لديهم لم تراع ما يستجد من أحداث، بل ظهروا كالحافظ لا الفاهم لما يحدث، والحق لقد بدا ما يحدث كنفحة علوية، بثها رب العباد فى نفوس الشباب الذين أصروا بعدما ظن الكثيرون أنهم لن يصمدوا، وفى نفوس قطاعات كثيرة من الشعب من ورائهم لمساندتهم بالماء والدعاء والخروج تأييدا وتثبيتا، أيدهم الله بهذا الخروج.
          1- بدأت المواجهة بمحاولات الشرطة تفريق المتظاهرين يوم 25 يناير وما تلاه من يومى 26و27، بالماء والدخان من دون استخدام الرصاص بقدر الإمكان لعدم تكرار غلطة النظام التونسى، لكن وصول الشباب لميدان التحرير أعطاهم الثقة التى لم تكن موجودة لديهم من قبل بهذه القوة، وجمعهم الله على موعد ولم يظن ظان منهم أن تكون  المظاهرة كبيرة العدد لهذا الحد، بل وادعت صحف النظام أنهم قليل لا أهمية لهم، وشباب تافه سينفضون فى وقت قليل. ((ويقللكم فى أعينهم، ليقضى الله أمرا كان مفعولا)) (سورة الأنفال – آية 44)، وكان هذا التقليل من حجم وأهمية الشباب أول سند من الله بعد اجتماعهم، لمواجهة القوة الغاشمة التى استهانت ولم تع الدرس سياسيا ولم تتخذ أية خطوات لامتصاص الغضب الجماهيرى، يوم الثلاثاء، رغم أن صوره كانت واضحة لكل ذى عينين. وأخطأت الشرطة فى السويس باستخدام الرصاص الحى الذى أردى قتلى، وهوما فتح قائمة الشهداء، وكسر حاجز الخوف من الشرطة لدى المتظاهرين، بل وجعل الثأر معاملا فى المعادلة، ولو بدون سلاح إلا سلاح المواجهة بالتظاهر.
          استعدت الجموع التى ارتفعت معنوياتها بالمدن الكبرى: القاهرة والأسكندرية والمحلة والمنصورة والسويس، وغيرها من المدن المصرية للحشد لجمعة الغضب عن طريق الانترنت والاتفاق الشخصى ممن ذهب لمن لم يذهب. كما استعد النظام بقطع الانترنت (سلاح الحشد) والمحمول (سلاح الاتصال وسط المظاهرة) منذ ليلة الجمعة وصباح الجمعة على التوالى. يومها احتل الشباب ميدان التحرير، وخرجت المظاهرات من مساجد كثيرة (وكان المسجد وسيلة الحشد الأفضل يومها) ومن مناطق مصر المتعددة ومدنها وقراها لتجتمع فى الميادين الكبرى والشوارع بعرض مصر وطولها مع استثناءات لها ما يبررها، وأخذ الشباب يؤكد على أنها (سلمية ..سلمية) و أن : (الشعب يريد إسقاط النظام)، وأنه يريد: (خبز. حرية. عدالة اجتماعية.)، بل ودعوا الناس للنزول ومشاركتهم فى تظاهراتهم التى أخذت تتجمع كأمواج متتابعة، وبأعداد غير مسبوقة. (انزل يا اللى فى البيوت).  وصمد شباب ذهب بعضهم بروح الاستشهاد بالوقوف فقط فى وجه النيران والدخان والرصاص المطاطى، ولعل مشهد المظاهرة التى عبرت كوبرى قصر النيل خير شاهد على الوقوف فى وجه الشرطة بصدور خالية، تقاوم بالصمود تارة وبالصلاة تارة وبالتقدم تارة أخرى، حتى تراجعت الشرطة وقوات مكافحة الشغب. لم تستطع الشرطة الاستمرار فصدر القرار بنزول الجيش، وانسحاب الشرطة، بعد أن حاولت الشرطة حتى باستخدام رصاص حى فى بعض الأوقات والأماكن.

2-  نزول الجيش مع سحب الشرطة هما تكتيكان يفترض بهما التوافق وتوزيع الأدوار، لكنهما كانا فى موقفين متباينين لاختلاف المنطق والعقيدة القتالية لدى كليهما، ولما استجد من أحداث: كان للشرطة خطة انسحاب يراد بها سحب الثقة لدى الجمهور من تأمين البلد، بينما استخدم الجيش لحماية البلد من أحداث شغب مشابهة لشغب الأمن المركزى 1986، والتى أوقفها الجيش بنزوله فى آخر مرة نزل بها، وهو ما اختلف حيث تجمع المعتصمون السلميون فى ميدان التحرير أكبر ميادين العاصمة بدون حتى أسلحة بيضاء، وبقوا به، بينما تحدث فى أماكن متفرقة حرائق لأقسام الشرطة بطول البلاد وصلت لرقم 94 قسما فى وقت واحد تقريبا وهو الوقت بين انسحاب الشرطة ووصول الجيش للتحرير والمنشآت الهامة الحكومية.
حدثت أشياء متزامنة، فقد صدرت أوامر بالنسحاب وتأمين النفس لمجموعات من الضباط، ومجموعات فقدت الاتصال، وأخرى(يغلب أن تكون سرية) اتخذت مهام بلباس مدنى، وهو ما سيظهر فى اليومين التاليين، ويقل بالتدريج حتى إقالة الوزارة. اعتمدت الشرطة على بطء نزول الجيش فى ترتيب أوراق الفوضى، فقد قدروا وصول الدبابات لمناطق توزيعها بثلاث ساعات أو تزيد. ربما يكون قد شارك فى الفوضى بعض الحرامية و الموتورين من رجال محددين بالشرطة لكنها كانت خطة أطلق عليها البعض :الأرض المحروقة، أو مايشبه الفوضى، اكتمل فى اليوم التالى بإطلاق المساجين من السجون، وعلله بعض الضباط بالعرب الذين أخرجوا بالسلاح أربعة سجون مختلفة من وادى النطرون للمرج لطره، لكن أياد وملابسات أيضا ساعدت على الاشتباه بالشرطة السرية، خاصة وأن الكاميرات التى بالموبايلات سجلت مشاهد عجيبة لمن يخاطب المساجين بترك البهائم بالسجن أثناء الهروب، أو سرقات تتم فى وجود جنود، وربما كان هذا هو الأمر الذى لم يحسب له حساب واضعى هذه الخطة. كما أن تعرض مدن ومراكز لخلو الشرطة برغم عدم وجود مظاهرات مثل قنا والغردقة، بل وتخريب بهذه المدن (شهادة سمعتها بالراديو من قنا، وأخرى من أتوبيسى سياحة من الغردقة فى لجنة شعبية).
كما أن الشرطة لم تحسب حسابا لتكوين اللجان الشعبية، والتى دعا لتكوينها الجيش خلال نزوله لتعويض الخلل الذى سيحدث فى الماطق السكنية التى لم يكن مكلفا بحمايتها، بل بحماية المنشآت الهامة الحكومية التى تمثل الدولة.
نزول اللجان الشعبية وثباتها وتعاونها مع الجيش الذى اعتبر أن أسلحة الأقسام قد سرقت شجع الناس على إيقاف أى ممثل للشرطة والاشتباه فى أشخاص يحملون سلاحا وجد بعضهم بكارنيهات الشرطة، واحتجزتهم القوات المسلحة للجيش.

3- استمرت وسائل التخويف من شائعات على الأرض فى اللجان الشعبية، ومن مكالمات هاتفية للفضائيات لبث الرعب، مع حظر التجول لفترات ليست قليلة، لكن نزول الرجال للجان الشعبية أعطى الناس أمانا من نوع مختلف وتفاعلا مع الأحداث، بل شجع رجالا على الذهاب للتحرير بعد النتهاء من نوبة الحراسة، وهو ما أفشل هدف المنع لكثير من الذاهبين للمظاهرات والاعتصام المفتوح بالتحرير والميادين الكبرى من المحافظات.
لم يجد النظام بدا من إسقاط الحكومة وتعيين نائب لرئيس الجمهورية، لإطالة عمره والإبقاء على الرئيس، لكن المطلب أصبح شعبيا، وكانت أعداد الشهداء والإصابات بالمظاهرات وأمام أقسام الشرطة، واعتداءات من انطلق من المسجلين ليدمروا أحيانا بدون سرقة، جعلت الحكومة مضطرة لفعل سياسى يسترضى الجماهير. هذا الأمر كان بعد صمت طويل وعدم اتخاذ إجراءات، لكنه لم يستطع الحد من الاعتصام بالتحرير، وأخذ الثوار الذين اعترف بهم النظام ظاهريا، وبوجود مطالب لهم يسعون لجمع مظاهرة مليونية يوم الثلاثاء 1 فبراير 2011، وهو ما نجح لأن الأحداث كانت ساخنة، ومظاهر الخوف والجوع كانت مؤزمة للكثيرين خاصة ممن يرون أيادى مبارك فيها لينزلوا مشاركين فى المظاهرة.

4- أعقب هذه المظاهرة المليونية خطاب الرئيس الذى قال فيه أنه لم يكن ينتوى الترشح للرئاسة لدورة تالية، ولكنه يحتاج للفترة الباقية والتى تقارب السبعة شهور للانتقال السلمى للسلطة. كانت الضغوط الدولية التى انزعجت من المظهر الفوضوى السريع لمصر قد تزايدت، لكن النظام استطاع  بهذا الخطاب أن يشق صفوف المصريين لينقسموا لموافق على المهلة، ومتشكك فى أنها حيلة سيعقبها انتقام شديد من مبارك لمن أهانوا مركزه الرئاسى بشكل غير مسبوق، حتى أن بعضهم تشكك أنهم سيستهدفوا فرادى بعد فض الاعتصام إن لم يعتقلوا جميعا. لكن بعض الرسل الأجنبية والضغوط من النظم التى تخاف من سقوط مبارك، بالإضافة لمحاولات إعلامية جاءت متأخرة من رجال النظام مثل شفيق وسليمان خففت من اللهجة الموالية للشعب المصرى بالخارج. وزاد على ذلك مظاهرات موالية لمبارك، بل واتخذت الوزارة شكلا أضفى عليها المظهر الإصلاحى والمعتذر حتى أننا سمعنا لأول مرة فى مصر عن معونة بطالة لمن تعطلوا بسبب الأحداث، وتعويضات لمن أصيبت ممتلكاتهم خلال المظاهرات.

5- أراد أصحاب المصلحة سواء بموافقة الرئيس أو نجله أو بدونهما أن يفرقوا من تشبثوا بالميدان وهم يعتبرونهم للمرة الثانية قلة مندسة ولا تستدعى الخوف الشديد، فإذا بمسيرة مؤيدة تذهب لميدان عبد المنعم رياض الملاصق للتحرير، ويبدأون أمام الكاميرات بمشادة كلامية تطورت لقذف الحجارة والقنابل البدائية والمولوتوف، وكان أغرب منظر فى بداية هذا التفريق البدائى لاعتصام استخفوا به، هو منظر الجمال والخيول التى دخلت لتبدأ المعركة الشعبية التى ظن منظموها أنهم مقبلون على شباب لا حيلة له ولن يدافع عن نفسه وعن الأرض التى وقف عليها ليعبر عن رأيه. استمرت المعركة ما يقارب اليوم الكامل وربما أكثر، وأُحرج رئيس الوزراء والذى ظهر معتذرا لأول مرة فى تاريخ مصر لكنه لم يستطع أن يوضح الموقف، والذى فسره كثيرون بأنه من أعمال رجال الحزب الوطنى الذى اختفى منذ ايام ليظهر وجهه القبيح فى هذه المظاهرة التى تحولت لتفريق مدنى بدون تدخل الجيش الذى اعتبر على الحياد، لكن الكفة لم ترجح للبلطجية، حيث كانوا يخطفون من قبل تكتل الشباب غير المسلح عليهم، واحتجازهم فى النفق الذى فى محطة مترو الأنفاق، ثم تسليمهم للجيش بعد ذلك، واكتشفوا هويات لأشخاص بدون عمل وشرطة وحزب وطنى. كانت هذه الشجاعة وهذا المنظر المزعج سببا مباشرا فى تحول التأييد، حتى ولو عن عدم اقتناع لمساندة الطرف الأضعف وهم المعتصمون، فازدادت الأعداد يوم الجمعة التالية. خلال هذه الأيام الثلاثة من الأربعاء للجمعة حاول عمر سليمان إقناع الشعب بأن هناك قوى خارجية صورت بوجود أجانب من حماس لأفغان لأمريكان، خاصة وقد مهد لها بإشاعات بالإعلام الرسمى عن المائة يورو ووجبة الكينتاكى، بل واتهام الإخوان بأنهم كانوا يكونون طرفى المشاجرة التى التهبت بكرات نارية فى ميدان عبد المنعم رياض، لكن الاتصالات من الميدان مع قلة الإخوان فى المزيج العام للشعب المصرى لم يقنع الجميع، وقد يكون التصديق من قبل البعض لإحساسهم بتعقد الوضع وتوقهم لنهاية، خاصة وأن أحداث الأربعاء هذه كانت أسوأ نفسيا فى نفوس الجميع معارضة وتأييدا، حيث أن الصورة التى لم يستطع حجبها ،بل ربما لم يكن النظام ملتفتا لتوجيهها على الميدان بدقة من شبكات مختلفة، ليست الجزيرة وحدها، كانت الصورة مؤثرة وعميقة ولا تحتاج لتوضيح أو تفسير، وحتى التفسير بالقوى الأجنبية غلبته تفسيرات بقايا أصحاب المصالح من الحزب الوطنى ورجال الأعمال الذين حاول النظام جعل بعضهم كباش فداء لحل الأزمة. 
          وبرغم عمل أذن من طين والأخرى من عجين للحكومة ومؤسسة الرئاسة والتركيز على الحوار الذى يقوده عمر سليمان النائب المعين والآتى من المخابرات العامة التى تركز على القوى الخارجية، وتركيزه شخصيا على هذا العامل كعامل حاكم من وجهة نظر خطابه الإعلامى، والذى خاطب حتى الإخوان المسلمين، لينضموا للحوار، فانضموا لأول مرة فى صورة ذات معان متعددة حيث جاور أحد الإخوان عدو الأمس؛ رئيس حزب التجمع والآخر بجوار ساويرس، وعمر سليمان يجلس أمام صورة كبيرة للرئيس مبارك تؤكد أن القرار لا يزال بيده لم يفلته بعد ولو من باب المناورة.
لم تفلح قصة القوى الأجنبية والإخوان فى إقناع الشعب وكانت كقصة الراعى الذى ينادى كلما أحب لفت الانتباه أنه يواجه ذئبا فإذا به كاذب، فلم يصدقه أحد خاصة بالداخل هذه المرة، و لم يصدق كثيرون منطق أن التخريب المنظم كان من الإخوان، ، خاصة وأن كثير من الإخوان كانوا منضمين للاعتصام فى سكون لا يجعلهم هم الأكثر ظهورا ولا تنظيما، ووجود كثير من الاتجاهات الأخرى كشباب 6 أبريل، ومجموعات مناصرة خالد سعيد (الذى قتل فى الأسكندرية على يد اثنان من أمناء الشرطة)، ومجموعات مدنية من اتجاهات بعضها مسيس كالجمعية الوطنية للتغيير بقيادة  البرادعى وحزب الجبهة وأيمن نور، وبعضها غير مسيس، وبعضها إسلامى من المعارضين، ومن أضرتهم امن الدولة مثل السلفيين الذين صاروا محسوبين على القاعدة بعد 11 سبتمبر 2001، وغيرها من الناس الذين جمعتهم كراهية النظام لإسقاطه سلميا بهذا الاعتصام.

6- حاول النظام التحلى بالصبر والاعتماد على الإرهاق الذى سيفض الاعتصام ونصائح الحكماء ممن يخشون ضرب الجيش للاعتصام مثل الشيخ محمد حسان الذى ظهر فى التليفزيون الحكومى لأول مرة، كما حاول التأكيد على نظرية القوى الخارجية (والتى استغرب كثيرون أن يجمعوا عشرين ألف من الناس على موعد حتى ولو بالفيس بوك والتويتر)،  وبالدكتاتورية الشعبية للثوار بإصرارهم على مطلب التنحى، الذى لم يعد الشعب يفهمه، بل يعتبر أن الاعتصام بالتحرير يوقف حياة للناس العاديين الذين ينتظرون أرزاقهم باليومية و يصيب الاقتصاد المصرى بخسائر بالملايين يوميا جراء هذا الاعتصام فى قطاعات مثل السياحة و البورصة، وغيرها.
          لكن المعتصمون بدأوا فى إظهار صور الشهداء والذين نسى الشعب العاطفى أمرهم واهتم بالزعيم الذى سيهان بخروج سريع، لا يليق بمقامه كبطل من أبطال أكتوبر الذين اختفى جميعهم فى فترة رئاسته، كما أثارت القنوات العالمية مسألة التعامل الخشن مع مراسليهم ومحاولة إيقاف التصوير المباشر بالكاميرات للتحرير، بل لقد وصل الأمر لإيقاف بث الجزيرة والجزيرة مباشر، واللتان لم تعدما بعد قليل استضافة قنوات أخرى لهما، بالإضافة لتغطية قنوات متعددة مثل الBBC العربية، والتى أارت موضوع اعتقال وائل غنيم مدير التسويق لجوجل الشرق الأوسط بدبى، والذى خرج من الاعتقال الذى استمر 12 يوما، ثم خرج فى سيارة حسام بدراوى أمين الحزب الوطنى وأمين السياسات، الذى أتى بعد أن استقالت هيئة المكتب الحزب الاكم والتى كان منها جمال مبارك أمين السياسات. وأصبح وائل غنيم بحديثه لوسائل الإعلام المصرية قبل العالمية وببكائه الذى أثر فى الجماهير أكثر من خطاب مبارك، سببا مباشرا فى تتابع الأحداث، فغلب ضعفه قوة المتنفذين الذين يحكمون سلاح البلاد، وأجهزته الإدارية، فإذا بفتى لا يحتاج للعمل السياسى يثير تعاطف الملايين، وإذا بالناس العادية التى تذهب للتحرير، تقبل أفكار الموجودين بالاعتصام وإذا بقنوات التليفزيون العادية بل والحكومية تعرض تقارير من داخل هذا الميدان، لتتحول آخر ثلاثة أيام لمظاهرات مليونية: الثلاثاء والأربعاء والخميس، بل وبدأ عصيان مدنى بأروقة شركات ومؤسسات حكومية كثيرة تريد مطالب فئوية، وقطعت طرق بالصعيد والوجه البحرى، ليصل الأمر للحلقوم، فإذا بتسريبات عن تنحى الرئيس قبل خروجه بساعات خمس، ليقول أنه قد فوض الصلاحيات لنائبه عمر سليمان.

7- كان التفويض قد تأخر وأصبح فى حد ذاته ضغطا على أعصاب الشعب كله لا سيما من أيدوا الاعتصام وارتبطوا به بعد مرور الوقت، خاصة وقد كان الخطاب الذى فوض النائب به يتسم بالاستفزاز والتعهدات التى يؤكد الرئيس أنه سيفعلها، مما يعطى انطباعا أنه ليس تنحيا ولا تفويضا، بل لعله كما افترض أحد الناس استقالة من الحزب الوطنى. بعد جملة التفويض مضى الجمع فى هدير منذر بالخطر فى هتافات لعل من أشدها تعبيرا: (انزل ياللى فى البيوت. حسنى هايطلع عالتابوت)، وتسابق كثيرون للقصر الجمهورى بمصر الجديدة، وإن كانوا قليل بالنسبة لملايين نزلت استعدادا لتنحى الرئيس لميدان التحرير، حتى وصلو ليقيموا اعتصاما تحت أسوار القصر، مما عجل بالقرار الذى قيل فى 34 ثانية وقت صلاة المغرب ليتحول الانتظار والترقب والضيق من الخطاب لتهليل وفرح ورقص وغناء ملأ طرقات القاهرة ومصر، حتى أن كثيرون ممن حبسوا بالبيوت متابعين للحدث نزلوا للمشاركة فى التعبير عن فرحة بتنحى الرئيس، لا أدرى هل كانت بنهاية الاعتصام، الذى لم يأخذ أكثر من يومين للملمة خيامه وبطاطينه وينفض، بعد نظافة الميدان من الشعارات بل وطلاء الرصيف، أم هى فرحة بزوال حكم استمر ثلاثين عاما مثيرا رفض البعض لاعتراضات يرونها وجيهة وملل البعض لولادتهم فى عصر مبارك دون أن يحدث شئ آخر فى الأفق السياسى، ولعل البعض فرح بأنه سيخرج من محبسه المنزلى بعد أن تحولت أجازة نصف العام لحظر تجول وترقب ومتابعة للأخبار أكثر من أى حدث فى حياة رئاسة مبارك لمصر، حتى أكثر من متابعة حرب الخليج التى احتل فيها العراق الكويت. فيالها من ثمانية عشر يوما لن تنسى فى مصر أبدا. 

Saturday, February 12, 2011

رسالة الرجل العادى للرجل الاقتصادى - خسائر مصر أثناء الثورة

أخبرنى أستاذ من أساتذة الزراعة بالأمس القريب، أنه لما ولى أمر خلية نحل فوق السطوح، تعهدها وتابع أمرها يوميا فانتقلت من خلايا يسيرة (حوالى عينين)، لتصير 82 عينا، وأنتجت 500 كجم من العسل الممتاز، بل كان النحل لا يؤذيه وهو بدون البدلة الخاصة بخلايا النحل، فلما ترك مسؤوليتها ، وأتى من كان ينظر لها كأمر روتينى لا يعنيه تراجع إنتاجها ل38 كيلوجراما فقط.
هذه القصة ذات دلالة عميقة: لقد تحول كثير من العاملين فى بلدنا لأن يشعروا بالتهميش حتى وإن علت رتبهم الوظيفية، وأصبحت مشاكلهم النفسية ربما أكبر من مشاكلهم الاقتصادية، فقد فقد كثيرون معنى المشاركة والثقة فى النفس وتغلبت السلبية، بل وكانت أكبر نتائج النمو تذهب لطبقة استطاعت الوصول لمراكز النفوذ بمصر بطرق مختلفة. لا معنى لأن نخاف بأن يفكر الناس بعدالة اجتماعية تؤذى أصحاب المصالح الاقتصادية، لكن مشاركة الجميع فى النمو الاقتصادى سيرفع أسهم الاقتصاد بشدة بل وبسرعة، خاصة إذا كانت استراتيجية تسعى لبناء أصول جديدة للإنتاج، وتوسيع المصانع وزيادة إنتاج المزارع، وتحسين جودة الخدمات والسياحة بدولة أغنى ثروة لها هى الثروة البشرية التى لابد من الالتفات لها بقوة فى المرحلة القادمة.