الثعلب فات فات وفى ديله سبع لفات
(الخدع السبع والمكر الذى أصاب الماكرين فى مقتل)
هذا التصور هو بالتأكيد قاصر لكنه محاولة لتجميع عناصر الصورة أثناء ثمانى عشرة يوما من أحداث الثورة التى اختلف الناس فى اسمها أثناء تبلور الحدث وحتى حدوث التنحى الذى لم يصدق كثير من المتابعين أن يكون هو خاتمة المطاف.
حاولت إدارة الرئيس السابق مبارك أن تدير الأزمة فى مصر بمنطق المعركة العسكرية، واستخدام المناورات والتأثير المعنوى بالشائعات والخدع التكتيكية. وكان شباب مصر قد أيقن بإمكانية إسقاط النظام لما نصر الله شباب تونس قبل أيام من الخامس والعشرين من يناير، وباستخدام مواقع الفيس بوك والتويتر للحشد وجمع الناس الذين جعلهم النظام غير مسيسين، لكنه لم يستطع نزع الوعى من أدمغتهم، رغم السطحية والسلبية اللتان أشاعهما النظام مع الخوف الطاغى من اللعب بالنار (السياسة).
وخلال الأزمة التى ظننا نحن فى مصر أن النظام استعد لها، وحينما بدأت طلائع الرجال الذين أشعلوا النار فى أنفسهم احتجاجا أمام مجلس الشعب أو مبانى محافظاتهم، ظهر أن الخطط التى كانت لديهم لم تراع ما يستجد من أحداث، بل ظهروا كالحافظ لا الفاهم لما يحدث، والحق لقد بدا ما يحدث كنفحة علوية، بثها رب العباد فى نفوس الشباب الذين أصروا بعدما ظن الكثيرون أنهم لن يصمدوا، وفى نفوس قطاعات كثيرة من الشعب من ورائهم لمساندتهم بالماء والدعاء والخروج تأييدا وتثبيتا، أيدهم الله بهذا الخروج.
1- بدأت المواجهة بمحاولات الشرطة تفريق المتظاهرين يوم 25 يناير وما تلاه من يومى 26و27، بالماء والدخان من دون استخدام الرصاص بقدر الإمكان لعدم تكرار غلطة النظام التونسى، لكن وصول الشباب لميدان التحرير أعطاهم الثقة التى لم تكن موجودة لديهم من قبل بهذه القوة، وجمعهم الله على موعد ولم يظن ظان منهم أن تكون المظاهرة كبيرة العدد لهذا الحد، بل وادعت صحف النظام أنهم قليل لا أهمية لهم، وشباب تافه سينفضون فى وقت قليل. ((ويقللكم فى أعينهم، ليقضى الله أمرا كان مفعولا)) (سورة الأنفال – آية 44)، وكان هذا التقليل من حجم وأهمية الشباب أول سند من الله بعد اجتماعهم، لمواجهة القوة الغاشمة التى استهانت ولم تع الدرس سياسيا ولم تتخذ أية خطوات لامتصاص الغضب الجماهيرى، يوم الثلاثاء، رغم أن صوره كانت واضحة لكل ذى عينين. وأخطأت الشرطة فى السويس باستخدام الرصاص الحى الذى أردى قتلى، وهوما فتح قائمة الشهداء، وكسر حاجز الخوف من الشرطة لدى المتظاهرين، بل وجعل الثأر معاملا فى المعادلة، ولو بدون سلاح إلا سلاح المواجهة بالتظاهر.
استعدت الجموع التى ارتفعت معنوياتها بالمدن الكبرى: القاهرة والأسكندرية والمحلة والمنصورة والسويس، وغيرها من المدن المصرية للحشد لجمعة الغضب عن طريق الانترنت والاتفاق الشخصى ممن ذهب لمن لم يذهب. كما استعد النظام بقطع الانترنت (سلاح الحشد) والمحمول (سلاح الاتصال وسط المظاهرة) منذ ليلة الجمعة وصباح الجمعة على التوالى. يومها احتل الشباب ميدان التحرير، وخرجت المظاهرات من مساجد كثيرة (وكان المسجد وسيلة الحشد الأفضل يومها) ومن مناطق مصر المتعددة ومدنها وقراها لتجتمع فى الميادين الكبرى والشوارع بعرض مصر وطولها مع استثناءات لها ما يبررها، وأخذ الشباب يؤكد على أنها (سلمية ..سلمية) و أن : (الشعب يريد إسقاط النظام)، وأنه يريد: (خبز. حرية. عدالة اجتماعية.)، بل ودعوا الناس للنزول ومشاركتهم فى تظاهراتهم التى أخذت تتجمع كأمواج متتابعة، وبأعداد غير مسبوقة. (انزل يا اللى فى البيوت). وصمد شباب ذهب بعضهم بروح الاستشهاد بالوقوف فقط فى وجه النيران والدخان والرصاص المطاطى، ولعل مشهد المظاهرة التى عبرت كوبرى قصر النيل خير شاهد على الوقوف فى وجه الشرطة بصدور خالية، تقاوم بالصمود تارة وبالصلاة تارة وبالتقدم تارة أخرى، حتى تراجعت الشرطة وقوات مكافحة الشغب. لم تستطع الشرطة الاستمرار فصدر القرار بنزول الجيش، وانسحاب الشرطة، بعد أن حاولت الشرطة حتى باستخدام رصاص حى فى بعض الأوقات والأماكن.
2- نزول الجيش مع سحب الشرطة هما تكتيكان يفترض بهما التوافق وتوزيع الأدوار، لكنهما كانا فى موقفين متباينين لاختلاف المنطق والعقيدة القتالية لدى كليهما، ولما استجد من أحداث: كان للشرطة خطة انسحاب يراد بها سحب الثقة لدى الجمهور من تأمين البلد، بينما استخدم الجيش لحماية البلد من أحداث شغب مشابهة لشغب الأمن المركزى 1986، والتى أوقفها الجيش بنزوله فى آخر مرة نزل بها، وهو ما اختلف حيث تجمع المعتصمون السلميون فى ميدان التحرير أكبر ميادين العاصمة بدون حتى أسلحة بيضاء، وبقوا به، بينما تحدث فى أماكن متفرقة حرائق لأقسام الشرطة بطول البلاد وصلت لرقم 94 قسما فى وقت واحد تقريبا وهو الوقت بين انسحاب الشرطة ووصول الجيش للتحرير والمنشآت الهامة الحكومية.
حدثت أشياء متزامنة، فقد صدرت أوامر بالنسحاب وتأمين النفس لمجموعات من الضباط، ومجموعات فقدت الاتصال، وأخرى(يغلب أن تكون سرية) اتخذت مهام بلباس مدنى، وهو ما سيظهر فى اليومين التاليين، ويقل بالتدريج حتى إقالة الوزارة. اعتمدت الشرطة على بطء نزول الجيش فى ترتيب أوراق الفوضى، فقد قدروا وصول الدبابات لمناطق توزيعها بثلاث ساعات أو تزيد. ربما يكون قد شارك فى الفوضى بعض الحرامية و الموتورين من رجال محددين بالشرطة لكنها كانت خطة أطلق عليها البعض :الأرض المحروقة، أو مايشبه الفوضى، اكتمل فى اليوم التالى بإطلاق المساجين من السجون، وعلله بعض الضباط بالعرب الذين أخرجوا بالسلاح أربعة سجون مختلفة من وادى النطرون للمرج لطره، لكن أياد وملابسات أيضا ساعدت على الاشتباه بالشرطة السرية، خاصة وأن الكاميرات التى بالموبايلات سجلت مشاهد عجيبة لمن يخاطب المساجين بترك البهائم بالسجن أثناء الهروب، أو سرقات تتم فى وجود جنود، وربما كان هذا هو الأمر الذى لم يحسب له حساب واضعى هذه الخطة. كما أن تعرض مدن ومراكز لخلو الشرطة برغم عدم وجود مظاهرات مثل قنا والغردقة، بل وتخريب بهذه المدن (شهادة سمعتها بالراديو من قنا، وأخرى من أتوبيسى سياحة من الغردقة فى لجنة شعبية).
كما أن الشرطة لم تحسب حسابا لتكوين اللجان الشعبية، والتى دعا لتكوينها الجيش خلال نزوله لتعويض الخلل الذى سيحدث فى الماطق السكنية التى لم يكن مكلفا بحمايتها، بل بحماية المنشآت الهامة الحكومية التى تمثل الدولة.
نزول اللجان الشعبية وثباتها وتعاونها مع الجيش الذى اعتبر أن أسلحة الأقسام قد سرقت شجع الناس على إيقاف أى ممثل للشرطة والاشتباه فى أشخاص يحملون سلاحا وجد بعضهم بكارنيهات الشرطة، واحتجزتهم القوات المسلحة للجيش.
3- استمرت وسائل التخويف من شائعات على الأرض فى اللجان الشعبية، ومن مكالمات هاتفية للفضائيات لبث الرعب، مع حظر التجول لفترات ليست قليلة، لكن نزول الرجال للجان الشعبية أعطى الناس أمانا من نوع مختلف وتفاعلا مع الأحداث، بل شجع رجالا على الذهاب للتحرير بعد النتهاء من نوبة الحراسة، وهو ما أفشل هدف المنع لكثير من الذاهبين للمظاهرات والاعتصام المفتوح بالتحرير والميادين الكبرى من المحافظات.
لم يجد النظام بدا من إسقاط الحكومة وتعيين نائب لرئيس الجمهورية، لإطالة عمره والإبقاء على الرئيس، لكن المطلب أصبح شعبيا، وكانت أعداد الشهداء والإصابات بالمظاهرات وأمام أقسام الشرطة، واعتداءات من انطلق من المسجلين ليدمروا أحيانا بدون سرقة، جعلت الحكومة مضطرة لفعل سياسى يسترضى الجماهير. هذا الأمر كان بعد صمت طويل وعدم اتخاذ إجراءات، لكنه لم يستطع الحد من الاعتصام بالتحرير، وأخذ الثوار الذين اعترف بهم النظام ظاهريا، وبوجود مطالب لهم يسعون لجمع مظاهرة مليونية يوم الثلاثاء 1 فبراير 2011، وهو ما نجح لأن الأحداث كانت ساخنة، ومظاهر الخوف والجوع كانت مؤزمة للكثيرين خاصة ممن يرون أيادى مبارك فيها لينزلوا مشاركين فى المظاهرة.
4- أعقب هذه المظاهرة المليونية خطاب الرئيس الذى قال فيه أنه لم يكن ينتوى الترشح للرئاسة لدورة تالية، ولكنه يحتاج للفترة الباقية والتى تقارب السبعة شهور للانتقال السلمى للسلطة. كانت الضغوط الدولية التى انزعجت من المظهر الفوضوى السريع لمصر قد تزايدت، لكن النظام استطاع بهذا الخطاب أن يشق صفوف المصريين لينقسموا لموافق على المهلة، ومتشكك فى أنها حيلة سيعقبها انتقام شديد من مبارك لمن أهانوا مركزه الرئاسى بشكل غير مسبوق، حتى أن بعضهم تشكك أنهم سيستهدفوا فرادى بعد فض الاعتصام إن لم يعتقلوا جميعا. لكن بعض الرسل الأجنبية والضغوط من النظم التى تخاف من سقوط مبارك، بالإضافة لمحاولات إعلامية جاءت متأخرة من رجال النظام مثل شفيق وسليمان خففت من اللهجة الموالية للشعب المصرى بالخارج. وزاد على ذلك مظاهرات موالية لمبارك، بل واتخذت الوزارة شكلا أضفى عليها المظهر الإصلاحى والمعتذر حتى أننا سمعنا لأول مرة فى مصر عن معونة بطالة لمن تعطلوا بسبب الأحداث، وتعويضات لمن أصيبت ممتلكاتهم خلال المظاهرات.
5- أراد أصحاب المصلحة سواء بموافقة الرئيس أو نجله أو بدونهما أن يفرقوا من تشبثوا بالميدان وهم يعتبرونهم للمرة الثانية قلة مندسة ولا تستدعى الخوف الشديد، فإذا بمسيرة مؤيدة تذهب لميدان عبد المنعم رياض الملاصق للتحرير، ويبدأون أمام الكاميرات بمشادة كلامية تطورت لقذف الحجارة والقنابل البدائية والمولوتوف، وكان أغرب منظر فى بداية هذا التفريق البدائى لاعتصام استخفوا به، هو منظر الجمال والخيول التى دخلت لتبدأ المعركة الشعبية التى ظن منظموها أنهم مقبلون على شباب لا حيلة له ولن يدافع عن نفسه وعن الأرض التى وقف عليها ليعبر عن رأيه. استمرت المعركة ما يقارب اليوم الكامل وربما أكثر، وأُحرج رئيس الوزراء والذى ظهر معتذرا لأول مرة فى تاريخ مصر لكنه لم يستطع أن يوضح الموقف، والذى فسره كثيرون بأنه من أعمال رجال الحزب الوطنى الذى اختفى منذ ايام ليظهر وجهه القبيح فى هذه المظاهرة التى تحولت لتفريق مدنى بدون تدخل الجيش الذى اعتبر على الحياد، لكن الكفة لم ترجح للبلطجية، حيث كانوا يخطفون من قبل تكتل الشباب غير المسلح عليهم، واحتجازهم فى النفق الذى فى محطة مترو الأنفاق، ثم تسليمهم للجيش بعد ذلك، واكتشفوا هويات لأشخاص بدون عمل وشرطة وحزب وطنى. كانت هذه الشجاعة وهذا المنظر المزعج سببا مباشرا فى تحول التأييد، حتى ولو عن عدم اقتناع لمساندة الطرف الأضعف وهم المعتصمون، فازدادت الأعداد يوم الجمعة التالية. خلال هذه الأيام الثلاثة من الأربعاء للجمعة حاول عمر سليمان إقناع الشعب بأن هناك قوى خارجية صورت بوجود أجانب من حماس لأفغان لأمريكان، خاصة وقد مهد لها بإشاعات بالإعلام الرسمى عن المائة يورو ووجبة الكينتاكى، بل واتهام الإخوان بأنهم كانوا يكونون طرفى المشاجرة التى التهبت بكرات نارية فى ميدان عبد المنعم رياض، لكن الاتصالات من الميدان مع قلة الإخوان فى المزيج العام للشعب المصرى لم يقنع الجميع، وقد يكون التصديق من قبل البعض لإحساسهم بتعقد الوضع وتوقهم لنهاية، خاصة وأن أحداث الأربعاء هذه كانت أسوأ نفسيا فى نفوس الجميع معارضة وتأييدا، حيث أن الصورة التى لم يستطع حجبها ،بل ربما لم يكن النظام ملتفتا لتوجيهها على الميدان بدقة من شبكات مختلفة، ليست الجزيرة وحدها، كانت الصورة مؤثرة وعميقة ولا تحتاج لتوضيح أو تفسير، وحتى التفسير بالقوى الأجنبية غلبته تفسيرات بقايا أصحاب المصالح من الحزب الوطنى ورجال الأعمال الذين حاول النظام جعل بعضهم كباش فداء لحل الأزمة.
وبرغم عمل أذن من طين والأخرى من عجين للحكومة ومؤسسة الرئاسة والتركيز على الحوار الذى يقوده عمر سليمان النائب المعين والآتى من المخابرات العامة التى تركز على القوى الخارجية، وتركيزه شخصيا على هذا العامل كعامل حاكم من وجهة نظر خطابه الإعلامى، والذى خاطب حتى الإخوان المسلمين، لينضموا للحوار، فانضموا لأول مرة فى صورة ذات معان متعددة حيث جاور أحد الإخوان عدو الأمس؛ رئيس حزب التجمع والآخر بجوار ساويرس، وعمر سليمان يجلس أمام صورة كبيرة للرئيس مبارك تؤكد أن القرار لا يزال بيده لم يفلته بعد ولو من باب المناورة.
لم تفلح قصة القوى الأجنبية والإخوان فى إقناع الشعب وكانت كقصة الراعى الذى ينادى كلما أحب لفت الانتباه أنه يواجه ذئبا فإذا به كاذب، فلم يصدقه أحد خاصة بالداخل هذه المرة، و لم يصدق كثيرون منطق أن التخريب المنظم كان من الإخوان، ، خاصة وأن كثير من الإخوان كانوا منضمين للاعتصام فى سكون لا يجعلهم هم الأكثر ظهورا ولا تنظيما، ووجود كثير من الاتجاهات الأخرى كشباب 6 أبريل، ومجموعات مناصرة خالد سعيد (الذى قتل فى الأسكندرية على يد اثنان من أمناء الشرطة)، ومجموعات مدنية من اتجاهات بعضها مسيس كالجمعية الوطنية للتغيير بقيادة البرادعى وحزب الجبهة وأيمن نور، وبعضها غير مسيس، وبعضها إسلامى من المعارضين، ومن أضرتهم امن الدولة مثل السلفيين الذين صاروا محسوبين على القاعدة بعد 11 سبتمبر 2001، وغيرها من الناس الذين جمعتهم كراهية النظام لإسقاطه سلميا بهذا الاعتصام.
6- حاول النظام التحلى بالصبر والاعتماد على الإرهاق الذى سيفض الاعتصام ونصائح الحكماء ممن يخشون ضرب الجيش للاعتصام مثل الشيخ محمد حسان الذى ظهر فى التليفزيون الحكومى لأول مرة، كما حاول التأكيد على نظرية القوى الخارجية (والتى استغرب كثيرون أن يجمعوا عشرين ألف من الناس على موعد حتى ولو بالفيس بوك والتويتر)، وبالدكتاتورية الشعبية للثوار بإصرارهم على مطلب التنحى، الذى لم يعد الشعب يفهمه، بل يعتبر أن الاعتصام بالتحرير يوقف حياة للناس العاديين الذين ينتظرون أرزاقهم باليومية و يصيب الاقتصاد المصرى بخسائر بالملايين يوميا جراء هذا الاعتصام فى قطاعات مثل السياحة و البورصة، وغيرها.
لكن المعتصمون بدأوا فى إظهار صور الشهداء والذين نسى الشعب العاطفى أمرهم واهتم بالزعيم الذى سيهان بخروج سريع، لا يليق بمقامه كبطل من أبطال أكتوبر الذين اختفى جميعهم فى فترة رئاسته، كما أثارت القنوات العالمية مسألة التعامل الخشن مع مراسليهم ومحاولة إيقاف التصوير المباشر بالكاميرات للتحرير، بل لقد وصل الأمر لإيقاف بث الجزيرة والجزيرة مباشر، واللتان لم تعدما بعد قليل استضافة قنوات أخرى لهما، بالإضافة لتغطية قنوات متعددة مثل الBBC العربية، والتى أارت موضوع اعتقال وائل غنيم مدير التسويق لجوجل الشرق الأوسط بدبى، والذى خرج من الاعتقال الذى استمر 12 يوما، ثم خرج فى سيارة حسام بدراوى أمين الحزب الوطنى وأمين السياسات، الذى أتى بعد أن استقالت هيئة المكتب الحزب الاكم والتى كان منها جمال مبارك أمين السياسات. وأصبح وائل غنيم بحديثه لوسائل الإعلام المصرية قبل العالمية وببكائه الذى أثر فى الجماهير أكثر من خطاب مبارك، سببا مباشرا فى تتابع الأحداث، فغلب ضعفه قوة المتنفذين الذين يحكمون سلاح البلاد، وأجهزته الإدارية، فإذا بفتى لا يحتاج للعمل السياسى يثير تعاطف الملايين، وإذا بالناس العادية التى تذهب للتحرير، تقبل أفكار الموجودين بالاعتصام وإذا بقنوات التليفزيون العادية بل والحكومية تعرض تقارير من داخل هذا الميدان، لتتحول آخر ثلاثة أيام لمظاهرات مليونية: الثلاثاء والأربعاء والخميس، بل وبدأ عصيان مدنى بأروقة شركات ومؤسسات حكومية كثيرة تريد مطالب فئوية، وقطعت طرق بالصعيد والوجه البحرى، ليصل الأمر للحلقوم، فإذا بتسريبات عن تنحى الرئيس قبل خروجه بساعات خمس، ليقول أنه قد فوض الصلاحيات لنائبه عمر سليمان.
7- كان التفويض قد تأخر وأصبح فى حد ذاته ضغطا على أعصاب الشعب كله لا سيما من أيدوا الاعتصام وارتبطوا به بعد مرور الوقت، خاصة وقد كان الخطاب الذى فوض النائب به يتسم بالاستفزاز والتعهدات التى يؤكد الرئيس أنه سيفعلها، مما يعطى انطباعا أنه ليس تنحيا ولا تفويضا، بل لعله كما افترض أحد الناس استقالة من الحزب الوطنى. بعد جملة التفويض مضى الجمع فى هدير منذر بالخطر فى هتافات لعل من أشدها تعبيرا: (انزل ياللى فى البيوت. حسنى هايطلع عالتابوت)، وتسابق كثيرون للقصر الجمهورى بمصر الجديدة، وإن كانوا قليل بالنسبة لملايين نزلت استعدادا لتنحى الرئيس لميدان التحرير، حتى وصلو ليقيموا اعتصاما تحت أسوار القصر، مما عجل بالقرار الذى قيل فى 34 ثانية وقت صلاة المغرب ليتحول الانتظار والترقب والضيق من الخطاب لتهليل وفرح ورقص وغناء ملأ طرقات القاهرة ومصر، حتى أن كثيرون ممن حبسوا بالبيوت متابعين للحدث نزلوا للمشاركة فى التعبير عن فرحة بتنحى الرئيس، لا أدرى هل كانت بنهاية الاعتصام، الذى لم يأخذ أكثر من يومين للملمة خيامه وبطاطينه وينفض، بعد نظافة الميدان من الشعارات بل وطلاء الرصيف، أم هى فرحة بزوال حكم استمر ثلاثين عاما مثيرا رفض البعض لاعتراضات يرونها وجيهة وملل البعض لولادتهم فى عصر مبارك دون أن يحدث شئ آخر فى الأفق السياسى، ولعل البعض فرح بأنه سيخرج من محبسه المنزلى بعد أن تحولت أجازة نصف العام لحظر تجول وترقب ومتابعة للأخبار أكثر من أى حدث فى حياة رئاسة مبارك لمصر، حتى أكثر من متابعة حرب الخليج التى احتل فيها العراق الكويت. فيالها من ثمانية عشر يوما لن تنسى فى مصر أبدا.
No comments:
Post a Comment