Monday, November 12, 2012

الكاتب المصرى يدفع الفرعون



فى كل ركن من أركان المؤسسات المصرية يجلس متربعا، خلف أذنه قلما، ويأتيه الناس، ليتفلسف عليهم، ويجعلهم يدورون حول أنفسهم باحثين فى أيديهم عن ورقة ناقصة أو إمضاء منسى، خلال رحلة المواطنين والساسة للوصول لإتمام مصالحهم سواء الشخصية منها أو المرتبطة بالعمل، كالطبيب والمعلم وأستاذ الجامعة والخبير الاقتصادى ومهندس الرى والتعدين والكهرباء، بل وضابط الشرطة والقوات المسلحة. (ربما أستثنى المحامى لأنه يغلب الموظف فى فلسفته للأمور والأوراق، بل ويستطيع أن يخترقه تارة بالحق وتارتين بالباطل)
          هذا الكاتب الموظف، رمز البيروقراطية المصرية العتيدة التى ترجع لعصر المصريين القدماء، والذين قالوا عن موسى عليه السلام أنه "سيذهب بطريقتكم المثلى"، لا يزال فاعلا، بل ومحملا بأمراض أصابته بمرور العصور والأزمنة القريبة والبعيدة، تارة يتسلح بالمداراة، ليمنع عن نفسه بطش السلطان، وتارة يتسلح بالكسل الذى يقيه حسد الناظرين لمجهوده من زملائه ومرؤوسيه الذين يريدون نسبة النجاح لأنفسهم، وتارة يتكتم فى مواجهتهم، ثم يتشدق بنقدهم خلف ظهورهم.
          ربما يعيب الكثيرون على الإخوان انهم لم يصنعوا شيئا حتى الآن، وهو حقيقى، وربما يخاف البعض من أخونة الدولة، وهى أمر لو فعلوه لكانوا قادرين أو فاجرين مثلما يقال عن زوج الاثنتين، لوجود هذا الكاتب المصرى فى بنية الدولة، فأقصى طموح الإخوان أن يصنعوا مثلما صنع الرومان والعرب والمماليك ومحمد على والضباط الأحرار: أن يشعروا هذا الكاتب أنهم أسياد البلد، والآمر الناهى فيها، ثم يعطونه أوامر محددة ليقوم بتنفيذها طائعا ليخرجوا بنتائج تثبت قدرة هذا الكائن الخرافى (الكاتب المصرى) على النجاح فى ظل الأزمات إذا توفرت الشروط.
          وشروط عمل هذا الكاتب المصر تختصر فى السابق والتالى:
1-   تحديد الهدف من إدارة الدولة (مثل زيادة إنتاجية الرقعة الزراعية كمثال سيدنا يوسف، أو زيادة خراج الدولة كمثال عمرو بن العاص رضى الله عنه، أو تحقيق الاكتفاء من القمح مثلما كانت روما تفتخر بأن مصر مزرعة القمح التى تؤكل روما)
2-   تحديد المهام الموكل بها هذا الكاتب أو الموظف (عادة كانت تأتيه فوقية لكى يقوم بالعمل صاغرا، لكن حتى لو أتت بمشاورة وديمقراطية فيجب توضيحها واختصارها ومباشرتها عند ابتداء العمل، ثم الإصرار على متابعة النتائج والتأكيد على أنها هى الهدف المنشود)
3-   تأمين طعام هذا الكاتب، وإشعاره أنه من خير أرضه، فهو مجبول على أن الخير فى أرضه وضرع بقره، فإن جفت الأرض والضرع، سيصبح شبحا لا نفع فيه يسرق، ويدعى أنه يعمل، ويتفنن فى الاحتيال ليوحى إليك بذلك، فلا تستطيع أن تجعل همه فى العمل، وتدوران فى دائرة مفرغة يعرف هو خفاياها أكثر ممن يحكمه.

هذا الكاتب، فى مكان مثل الجامعة التى أتى منها د. محمد مرسى يحول العميد الآتى من بين رفوف الكتب وأضابير العلم، إلى تلميذ ينتظر إجاباته الملهمة إن لم يكن من الشخصيات القيادية ذات الرؤية، فتجد علماء من ذوى الوزن لا يحركون ساكنا إلا بعد استشارة أمين الجامعة أو الكلية، وهم معذورون، يصبحون مثل الطبيب الذى من فرط اعتماده على الممرضة يسألها عن تشخيص المريض ويجعلها ترتب له كل أعماله.
مصر الآن فى حاجة إلى فهم مفاتيح هذا الكاتب الذى يلعب لعبته الأزلية التى اعتادها لقرون متطاولة فى الضحك على الذقون، وإفهام الفرعون أن ما يطمح إليه لا يمكن عمله، وأن تخزين الحبوب لسبع سنوات أمر لا يتسق مع تصريف الحبوب فى المملكة، وأن النمل والحشرات ستقضى عليها لا محالة، لأننا اعتدنا ان الصوامع مصابة، لكن إن جعل القائد همه فى تنظيف الصوامع وترتيب أحوالها قبل تخزين السنوات السبع، سيضطر حينها هذا الكاتب المعتاد على الأوامر الفوقية أن يلتفت لهذا المختلف، وسيضطر لمعاونته، وإن نجح سيصفق له، وربما يصنع له التماثيل ويتغنى بحكمته والإلهام الإلهى الذى يأتيه من لدن الخالق الحكيم.
أقول لمن فى مصر من أقصاها لأقصاها: لا تستسلموا للكاتب المصرى ليقودكم لوجهته الخالدة: تأمين رزقه من مهنته، لكن سوقوه للنجاح لكم وله، وإلا سينقلب عليكم باللائمة إن فشلتم، فهو فى مكانه مثل النيل والنخيل، تموت واحدة فتقوم الأخرى بجوارها على بعد خطوات، لن يضيره قتل نصفه، لكنه سيتحرك حينما تأتى الأوامر الواضحة والسياسة الذاهبة لهدف محدد.
إن لم تسوقوه سيقودكم لحتفكم، تارة بالحيلة والمديح (ومبارك نموذج واضح لهذا)، وتارة بالتكاسل وإظهار الخضوع (الذى تجده من حيل المصريين النفسية الشهيرة)
الإدارة هى مشكلة مصر التى شخصناها جميعا فى آخر عقد، ومن حول جمال مبارك أوحوا إليه أنه مبعوث العناية الإلهية ليدير مصر بنجاح فانقلب السحر على الساحر، فحتى سحرة فرعون حينما فشلوا انفضوا عنه. يجب على من يدير مصر أن يهاجم مباشرة مواطن العفن والتحلل الذى أصاب بنية النظام فيها فيزيل العفن والصديد، ويحدد القواعد التى سيقوم عليها هيكل النظام الجديد مكان المهترئ، فعلها بالأمس القريب عبد الناصر بالديكتاتورية، وتصلح اليوم بالديمقراطية، إن أحسن الفعل وكان التوفيق حليف من يدير هذا البلد. لن يفيد الحذر الإخوانى المعتاد فى هذه المشاكل الحياتية للمصريين، بل يجب أن يكون فيهم أو معهم "الإدارجى" الذى تظهر عبقريته فى الوقت المناسب لتنظيف الأرض وبذر البذور وتعهدها، فإن أيقن الكاتب بأن هذا الإدارجى يفعل ما يفعل عن بينة فسينقلب من التكذيب إلى المديح، ومن الحيلة إلى التتبع لخطوات الحاكم الذى يثق فيه منذ القدم، طالما أطعم الفم لتستحى العين

Thursday, June 2, 2011

لا هجرة بعد الفتح


إذا نظرنا إلى المعارك الصحفية الدائرة اليوم على تصريحات لصبحى صالح أو صفوت حجازى أو عمرو حمزاوى، بل وحتى أبى إسحق الحوينى لتصورنا ان المصريين لن يتفقوا مثلما حدث بالميدان ثانية، فحتى مقال فهمى هويدى "تدليس إعلامى" كان سببا كافيا بعنوانه النارى أن يثير معركة صحفية ليست هينة، ربما هى من تجليات حرية الرأى والديمقراطية، التى ننتظرها بحق ونشغف بها لكى توصلنا لبلد متقدم ناجح. أغلب هذه المعارك مرتبطة ولا شك بالإخوان لأنهم الفصيل الأكثر أهمية، فقد أصبح فى تصور الكثيرين بديل الوطنى مع إيقاف التنفيذ، وهم بلا شك لا يريدونه بديلا للوطنى الذى كان يروج نفسه لطرفى المعادلة السياسية: الإسلاميين والليبراليين على أنه الوسيط الذى سيحقق الوسط الذهبى من خلا إتاحة هامش من الحرية والديمقراطية التى بدأها السادات فى عهده، للجميع، والشاطر منهم كان الوطنى قادرا على تحجيمه لكى لا ينفرد بإدارة قرار الأمة المصرية والعربية. كان الوطنى يحسن اللعب على حبال هذه الوكالة المدعاة ويسلب جميع التيارات الحقيقية من إسلامى وقومى واشتراكى وليبرالى تحركهم الحقيقى، سوى اجتهادات تتفوق فترة ثم تخبو مثلما حدث لأيمن نور، أو عمل دؤوب هادئ فى ثنايا حياة المصريين مثلما كان الإخوان يصنعون، بل ومثلما كان السلفيون فى دروسهم العلمية وهم يعتزلون السياسة يفعلون، وكذلك الأقباط المتدينين داخل كنيستهم كانوا يصنعون.
الآن وقد أصبح الجميع وجها لوجه دونما وكالة الحزب الوطنى الذى أصبح عضوه يتوارى خجلا فبين من قفز من سفينته، ومن آثر الصدق فاستمر بما سيخسره بسبب هذا الموقف، ومن أقفل عليه باب داره، ومن يحاول إدارة عجلة التاريخ فإذا بها تدهسه. الآن المعارك السياسية التى أدعى أنها يجب أن تؤجل لحين الاتفاق على القواعد المنظمة لخلافاتنا، بدأت برغم أمنياتى الحسنة، بل إنها أصبحت تدريبا لنا فى كيفية الخلاف وإدارته، لكى تصبح الديمقراطية المطبقة رشيدة لا حمقاء.
سأخص الإخوان بخطابى لأنهم البديل المدعى للأغلبية الموهومة، فإن صدقت النبوءة التى يكذبها بعض الإخوان، فعليهم ضريبة لهذه الحرية والاستبدال الذى سيجعل منهم مُمَكّنين بعد حظر.
بالنسبة للإخوان تحديدا هم قوم لديهم فكرة يؤمنون بها، وهى فكرة موجودة لكنها كانت مغلقة للحظر، فلما فتح الحظر لم يفهم البعض أنه "لا هجرة بعد الفتح" (قاعدة أبطلت فعلا تعبديا لتغير الظرف من مواجهة لمعايشة)، وأن تألف القلوب أولى من الوقوف صفا فى مواجهة الجموع. أ/ صبحى صالح نموذجا لذلك، فقد مثلهم فى لجنة تعديل الدستور فأصبح أكثر شهرة مما كان، لذلك كان محل تلقف لتصريحاته التى يحتاج لغربلتها بمعاونة شباب من الإخوان وأناس يعون نفسية الجماهير التى يُحارَب الإخوان من جهتها، كما يُحارَبون لأسباب فى داخلهم تحتاج لمراجعة منها على سبيل المثال أنهم يؤمنون بأفكار الجماعة ((كأنها)) من صميم الدين، مع أنه حتى شرائع الدين المتفق عليها بها قاعدة عامة تقول:"لا ضرر ولا ضرار".
الإخوان بين حظر يجعلهم متحفظين من إبداء ما بداخلهم، واعتزاز بما يؤمنون به يجب أن يعوا أن التعامل مع الأفكار البشرية التى كان حسن البنا يحاول من خلالها أن يبنى بناء ضخما، يمكن مراجعتها لأن هذا أصح، مثلما فعلوا مع التعددية الحزبية التى كان البنا رافضا لها وقبلوها بمرور الزمن وتراكم الخبرات.
لقد خصصت صبحى صالح لأنه بتصريحه حول زواج الإخوان من بعضهم البعض، تناسى تغير الظرف الذى يجعل من إيمانهم بأفكارهم وحرصهم على تعديها لغيرهم أن يقبلوا بهذا الزواج بين إخوانى وغير إخوانى، مثلما قبل الإسلام الزواج بين مسلم وكتابية، وهو ما قرب بين الإسلام وأمم شتى عاش بينها حاكما فأصبح بمرور الوقت ساكنا أصيلا، مع الاختلاف فى القياس.
ما يزيد الطين بله أن الأستاذ صبحى صالح يدخل معركة جديدة بقوله أنه كُذب كما كُذب النبى صلى الله عليه وسلم، وأنا هنا أذكره بأمر ربما لا يخفى على أمثاله: كان الإخوان فى حال حظرهم يُدافع عنهم من قبل أناس يرون أن من حقهم أن يعبروا عن أنفسهم ولا يكونوا محظورين، وكانوا يجدون تأييدا من البعض حول مواقف محددة يميل إليها كثير من عناصر الأمة وتياراتها، وكان من بين هؤلا واحدة مثل منى الشاذلى أو واحدا كبلال فضل أو ابراهيم عيسى. هل المفترض فيمن كان يرى لى حقا أن أضعه فى خانة الأعداء حينما يخالفنى رأيا أو موقفا، أم أن ذلك سيعود على بالضرر السياسى لأننى إنما أحارب طواحين الهواء، وأستبدل التألف بالعداوات. إن تيارات مصر تجتمع على مواقف وتختلف على أخرى، فلا يجب أن نجعل الاختلاف كسرا، بينما يجب أن نجعل ما نتفق عليه قوة وعزيمة.
 إن ما يلام عليه صبحى صالح يستدعى من الإخوان تفهما لحديثهم للناس وما يجب قوله وما لا يجب: أى الكياسة والأولويات واعتبار تغير الوضع بقيام الثورة، وإلا لأصبحوا فى مرمى السهام والتى لن تكون جميعها مغرضة، بل سيكون بعضها قاسيا لأن موجهها مختلف معهم، لكن هناك من ينصحهم إشفاقا عليهم وعلى صورة الإسلام الذى قد يمثلونه فى لحظات تاريخية قادمة، فإن أساؤوا سيقال أساء الإسلام مُمَثلا فى الإخوان المسلمين، وحينها سيكون أول من يواجههم لا العلمانيين ولا الليبراليين، بل إسلاميين أمثالهم، وهذا هو جوهر الديمقراطية أو الشورى التى ندعى جميعا أننا نريدها لكننا فى  مرحلة تدريب عليها، وفق الله جميع تيارات مصر لصالح مصر وأمتها العربية والإسلامية، مصر التى أصبحت - بدون شك- نموذجا ينظر إليه جميعهم من المشرق للمغرب بأكثر مما كنا نتصوره كمصريين، لذلك فخلال و بعد هدأة غبار معارك جانبية على الأصوات والصناديق، وتدعى أنها لأسباب أخرى مبدأية بين تيارات مصر، يجب على الجميع أن يعوا أن مواقفهم ليست تُنظر من شعب مصر فقط بل من العالم أجمعه والأهم هو محيطنا الذى يقف معنا إن أفلحنا ويتأسى علينا إن فشلنا، والله من وراء القصد.

Monday, April 25, 2011

كلنا واحد والنجاة من مصير أسود



إغفاء، ثم يقظة، على أحداث فيلم: يتزوج الشاب المتدين العائد لبلدته الصغيرة من عاهرة تائبة تكبره بسنين، وقد تزوج من محبوبته شابا يماثله فى السن، لكنه يغايره فى الاتجاه: يعمل مع الشرطة مرشدا أو ماشابه، بل ويختلف مع الضابط الذى ينقل من هذه العزبة وهو يرفض ويحاول التجهيز لمعركة لقتال مجموعة بالعزبة، فإذا بالزوجة المحبوبة تشعل النار فى زوجها الكريه الذى ربط نفسه بالسلطة وممثلها الأقوى بالعزبة، ثم اختلف معه. بينما حبيبها السابق يقتل على يد من أعطوه أموالهم ليشغلها بعد أن نجح بالتجارة لما عاد للعزبة، فإذا بزوجته العجوز تأخذ الأموال لتتركه فى مهب ثورة الناس، ويموت النقيضان الطيب والشرير بالرصاص فى لحظة درامية واحدة تؤذن بنهاية الفيلم "عزبة آدم". يا لها من نبوءة لكلا طرفى المعادلة بمصر، توقعها البعض لحزب السلطة المكروه ولحزب التدين الذى لا يحسن إدارة أموال الناس، فيصبح كليهما محلا لثورة الناس، الذين يريدون العيش فى رخاء وسلام، ينتظروهما من السلطة ومن أهل الدين.
          وقامت الثورة بمفاجأة لم يتوقعها أحد فى هذا التوقيت بالذات، تأخرت عن بعض التوقعات وسبقت بعضها الآخر، فإذا بحكيم يتغنى: "كلنا واحد" ناشرا أعلام الدول العربية المتعددة ورمز الهلال مع الصليب، فيا لها من محاولة للخروج من المصير المأزق الذى نجت منه مصر ولم تنج سلطتها المنهزمة بقيام الثورة، وإسقاط النظام. لم يعد لنا إلا أن نتأسى بما حدث فى الثورة من استلهام النماذج الناجحة مثل ثورة تونس، وتناسى الخلافات والقدرة على التآلف والائتلاف، من غير سلطة تلزم الناس به. أن يتآلف المختلفون على مصالح البلاد والعباد، ويستطيعوا أن يديروا خلافاتهم بنجاح لمصلحة السفينة التى لا يمكن أن يستبد كل جماعة برأيهم فيها فيخرقوها لنغرق جميعا. 

Tuesday, April 12, 2011

الشعب العاطفى ورجال الحكم



يقولون أن الشعب المصرى شعب عاطفى، وهذه حقيقة نشعر بها ونراها، وقد تندرنا كثيرا بهذا إبان الخطابات الحرجة التى أخذ الرئيس السابق حسنى مبارك بإلقائها وإذاعتها بمعاونة الرجال المقربين منه، وكان يحاول من خلالها إرسال رسائل للشعب وبعض طوائفه، مثلما هو أراد أن يستدر عواطفهم نحوه، وهى عواطف بدأت معه من بداية عهده جياشة ثم هدأت ثم تململت ثم انقلبت، وحينما حاول أن يسترجعها بخطاباته تلك أثناء الثورة أتت بالنتائج العكسية باقتدار.
            الآن يأتى خطاب ما بعد الرئاسة لمبارك فى توقيت متقارب مع خطاب يكاد أن يكون الأول لرجل الدولة التنفيذى الأول: د.عصام شرف. و إذا بنا نجد أنفسنا فى موضع المقارنة، حتى مع اختلاف درجة التكليف بالسلطة، فالأول رئيس واسع السلطات والثانى رجل طلب ليرأس مجلس الوزراء فى وقت الأزمة ولا يوجد رئيسا منفردا ليجعله سكرتيرا بل مجلس عسكرى مثقل بالتكاليف والمطالب، ويحتاج لوزراء يعينونه فيحملون معه.
            الحقيقة أننى شعرت بأن الدكتور عصام شرف رجل يميل للعمل أكثر من الكلام، لكنه ليس عاجزا عنه، بل لعله زاهد فيه، وأحمد الله أنه تحدث بالعامية مخالفا لخطابات مبارك الفصيحة والخالية من الإحساس بالناس، فأول خطاب حتى ولو كان كله بالعامية هو خير من خطاب فصيح لا يصل لنا، وأظنه يضع نقاطه فى ورقة ثم يسترسل فى تفاصيلها مثل بعض الأساتذة فى محاضراتهم (وهو أستاذ جامعى)، ولعله فى المستقبل يجمع بين الفصحى والعامية مثلما كان جمال عبد الناصر أوالشيخ الشعراوى والعامية تقرب المتحدث من الناس مثلما تجعله الفصحى رسميا.
            من الحسن أن يكون شرف متجنبا لكلمات اشتهرت على لسان مبارك، مثل"الإخوة المواطنون" أو "الإخوة والأخوات" أو "مصر هى هدفنا" ومثل هذه الديباجات التى فقدت معناها على لسان مبارك، بل بسببه هو ومن شابهه بمصر وفى الوطن العربى. ولقد وجدت أن الخطاب العاطفى فى خطاب شرف أفضل وأقرب لقلوبنا فى هذا الظرف العصيب بعد الثورة التى تواجه فيه مصر تحديا جديدا مرتبطا بمبارك وهو كيفية توقيت محاسبته ومحاكمته، فلقد أصبح المجلس العسكرى فى محل الريبة لدى قطاعا من المصريين، بينما يثق فيه غالبية المصريين، لكنهم ربما ليسوا متأكدين من أن محاسبة مبارك كانت ستأتى أصلا، لكن الأزمة جعلت الطرفين ليسا فى موضع اختيار، فالحساب أصبح قادما ولا بد، حيث أن التأخير عادة ما يعطى الخطوة دفعة قوية زادها دفعا خطاب مبارك المسجل من شرم الشيخ والذى فجع الكثيرين، لا لمحتواه بل لمصدره الذى لم يعد يحظى إلا بتعاطف الأقلية القليلة.
            وتعاطف الشعب وحده ليس كافيا، حتى مع المجلس العسكرى الذى يمسك بزمام الأمور، فالشعب المصرى لديه طابع عجيب لا بد أن يعرفه كل من يحاول أن يحكمه من أول المجلس العسكرى لعصام شرف لساسة مصر فى جميع التيارات والذين أصبحت عيونهم على كراسى الحكم الآن من رئاسية لوزارية لبرلمانية، وأخص منها الكراسى التنفيذية بالذكر. هذا الشعب المصرى يبدأ مع من يحكمه بتفحص مستبشر، يزداد مع مرور الأيام قربا وثقة خاصة إذا قام بعمله على الوجه الصحيح، وليس الأمثل، فإذا كان عمل المسؤول محل تقدير وتميز، أصبح الحب جارفا، لكنه مع الوقت ومع مرور الزمن خاصة إذا أصابت الأمور ركودا معتادا يصبح الأمر ثقيلا على قلوبهم، فإذا توفرت الأسباب للضجر من قلة الأرزاق وفساد السياسة وضعف هيبة الدولة، انقلب الشعب على أعقابه سلبيا، ينتظر تحركا من قوة داخل الحكم تستبدل حاكما بآخر، أو تزيل حكمه، ثم مع مرور الوقت ينقلب على حكامه بشكل مفاجئ مثلما حدث فى ثورة 25 يناير ومن قبلها ثورة 1919 وثورة 1795م والتى استكملت بثورات القاهرة على الفرنسيين ثم صدهم لفريزر وحدهم عن رشيد، وغيرها. هذا الخروج وهذه الثورة تكون غير محسوبة وأقرب للعفوية، بل وتحتاج لمن يساعدها على ترشيد الاتجاه، مثلما يفعل المجلس العسكرى، أو مثلما أتى محمد على بعد جلاء الفرنسيين بيد عمر مكرم زعيم الشعب آنذاك. نحن الآن فى المرحلة الانتقالية لكننا نحتاج لمطالب نراها حساسة على رأسها المحاسبة لمن أفسد فى السابق، لكننا لابد أن نكون محافظين على السياق الحضارى للثورة الرائعة السلمية، وألا يكون حماس البعض مثارا لتشدد المجلس العسكرى بقدر ما يكون حافزا لتحقيق آمال الشعب المصرى والتى لا يعبر عنها بكتلته فى أغلب الأحيان.
            يا من تستعدون لحكم مصر بعد أن تنجحوا فى الانتخابات البرلمانية، كثير منكم يعرف مفاتيح قلوب وعقول الشعب المصرى ويستطيع أن يزيح الفلول المنهزمة من الحزب الوطنى الديمقراطى بسهولة قد تثير تعجبكم أنفسكم، لكننى أناشدكم الله أن تختاروا من بين أنفسكم لمناصب السلطة التنفيذية (فى حالة الحكومة البرلمانية أو الحكومة المعينة بتوافق حزبى من قبل الرئيس فى نظام رئاسى). أناشدكم الله أن تختاروا من بين أنفسكم رجالا لديهم الخبرة العملية والقدرة أكثر مما لديهم من القدرة الخطابية، فنحن نحتاج لمن يقوم بعمل قوى يسحب مصر من هوة كادت أن تقع فيها لكى تنهض من كبوتها، ولتجعلوا لهم من رجال الكياسة السياسية والحديث المنسق مستشارين ومعاونين. ولتضعوا من بين أنفسكم هؤلاء الرجال المهرة، حتى ولو استدعى الأمر أن تستدعوهم ليشاركوكم فى أحزابكم وائتلافاتكم دونما قدرة على المشاركة السياسية الواسعة والتى تأخذ من أوقاتكم الكثير، فهؤلاء مخزون مصرى لا بد له من أن يكون فى طليعة البناء، وأن تضعوهم فى المناصب التنفيذية لمصلحة أحزابكم ولمصلحة مصر سويا، ولكى تخرج لمصر القدوة البشرية التى تكون أول صف يبنى عليه من شباب سيُستدعون بمرور الأيام لصدارة المشهد، ولا بد لهم من أن يحسنوا اختيار القادة من بينهم مع تراكم الخبرات والبناء. ولتحذروا خلال المرحلة القادمة أن تستعجلوا غضب الشعب عليكم بسوء تقدير أو بطء فى الحركة، مثلما تعيبون على من يقومون الآن بإدارة الدفة، فالشعب المصرى ذكى مثلكم، ويحتاج لحركة حقيقية وقوية فلا يجب على من يسعى لمناصب الحكم منكم ألا يكون أقل من طموحات الشعب، وإلا سيُفرز سريعا ليُستبدل، وهذه طبيعة الثورات التى تريد طموحات عريضة مثل ثورتنا هذه، فلنا الله ليهدينا وليولى من يصلح بأصواتنا.

Saturday, March 19, 2011

الديمقراطية هى الحل والإسلام دين التنوع والاجتهاد



        كنت أريد أن أقول (نعم) فى التعدبلات الدستورية، لشعورى باحتياج مصر لمجلس الشعب ليكون اليد المُصلحة لترسانة القوانين التى أوصلت شعب مصر مع طغيان مبارك ورجاله إلى حالة يرثى لها تستدعى التدخل السريع والجذرى لإصلاح هيكلى للدولة المصرية وكثير من طرق إدارتها البيروقراطية، لكننى تخوفت من التلاعب بالدين خاصة وأنا أعلم أن (لا) و(نعم) لن يكونا بهذا التأثير المخيف على المادة الثانية من الدستور مثلما يشيع كثيرون من أهل (نعم) وأهل (لا).
هل أطلق رجال من الإخوان والسلفيين دعوى بأن التصويت بنعم للتعديلات الدستورية واجب شرعى؟
أنا أرى أن الفصيلين الإسلاميين، وغيرهما مثل المتصوفة والأزهريين، بل والأقباط المتدينين والعلمانيين، فى حاجة لأن يكون عملهم السياسى وآرائهم  من خلال الديمقراطية و الحرية وفى النور لكى يصبح تمثيلهم حقيقيا لا متوهما، ولكى تستطيع الفكرة المتغلغلة فى ضمير الشعوب المسلمة أن تظهر بشكل شرعى دون أن توجه سهامها لأهلها فى معركة وهمية لا مستفيد منها سوى أعداءنا جميعا.
لكننى فى الوقت ذاته أرفض أن تتحول الآراء والاجتهادات لسيوف مسلطة على رقاب العباد الواعى منهم أو الذى يحاول أن يعى، فيقوم رجل لا يدرك أن اجتهاده والذى يراه صحيحا هو اجتهاد لا اتفاق وقطع بالصواب، رغم اختلاف غيره معه بناء على أدلة عقلية بل وأحيانا نقلية، وذلك فى أمور بعضها أعطى الإسلام فيها إضاءات لنهتدى خلال تعاملنا معها، والأخرى تركها لنا ما دامت غير منصوص عليها لنجتهد فيها، بل وأمور ينتظر العاقل فيها لكى لا يحمل الناس على الحق قسرا، بل برضاهم.
الكثير والكثير من أمور التشريع والتطبيقات العملية، تقع تحت نطاق الاجتهاد، وتحتمل الاختلاف، خاصة ما كان من تعديلات الدستور الحالية، وإلا لو كانت محل اتفاق شرعى أو سياسى أو ما شابه ما لجأت السلطات لعمل استفتاء حولها. الأعجب أن يأتى هذا فى توقيت حرج يذهب فيه المصريون بإقبال شديد ولهفة على المشاركة وشعورهم أن رأيهم أصبح له قيمة، وهذا معنى عميق من معانى الشورى التى أرساها الإسلام.
 فإذا ببعض من الذين تحسسوا من كتابة الدستور الجديد ابتداء يتخوفون من القوى الأخرى أن تزيح المادة الثانية، فيغلب على ظن الأقباط أنهم بقولهم (لا) سيمنعون فرض المادة الثانية عليهم، وسيفها المخيف من خلال تطبيق الإسلاميين مستقبلا لها لظلمهم (كما يتوقعون) وحرمانهم من حقوقهم المدنية ربما أكثر مما فعل مبارك.
هذا التخوف المشترك على المادة ومنها ربما هو مَرَضى ومن باب الهلع أكثر منه حقيقيا، فالإسلاميين إذا خافوا من إزالة المادة الثانية من قبل القوى المدنية والقبطية فهم كأنهم لا يعرفون معدن المصريين المتدين، والقوى المدنية والأقباط إذا خافوا من إساءة استخدام المادة الثانية من قبل الإسلاميين، فهم يفقدون الثقة فى الآخر المصرى، بل وفى أنفسهم، وفى مناصرة المصريين المتشبثين بالعدالة والمساواة لهم.
هذا كان ميراث الوكيل المعتمد لمخاطبة القوى المختلفة (الحزب الوطنى). أذكر أيام كنت أدخل على برنامج البالتوك، وهو برنامج لحوارات مسموعة بين أناس قد لا تعرفهم على الانترنت، كان الحزب الوطنى يصور نفسه للمتدينين وللعلمانيين كأنه الوسط الذهبى فيظهر نفسه للمتدينين على أنه يمنع إزالة المادة الثانية ويحافظ على التقاليد والشعائر، ويظهر نفسه للعلمانيين والأقباط على أنه هو الحامى لحمى الدولة المدنية، والذى يمنع المتطرفين من الجماعات من تقتيل الأقباط. ولا شك أن هذه الورقة قد انكشفت، ولعل تعامل جميع الأطراف وجها لوجه هو الذى سيزيل اللبس والأساطير، ويجعل الجميع فى مركب واحد يتفاعلون سويا لصالح البلد الكبير الذى ننتمى إليه ويسكن فينا حقا.
أنا مقتنع بوجود اجتهادات متنوعة للدين الإسلامى تعلمناها تاريخيا، بل وكانت مصر بالخصوص - لوقوعها فى مركز القوة وعلى مفترق الطرق - هى الحاضنة لهذا التنوع، فكان بمصر المملوكية -التى تمثل قوة عظمى فى زمانها- قضاة للمذاهب الأربعة الفقهية، وهو ما انطبق على أهلها، وأعطى لهم سعة فى التفكير حتى خلال منظومة التفكير الإسلامى الصرفة، وكذلك تعربت الأقباط فى حياتهم، وكثير من كتاباتهم، وأصبح الكتاب المقدس مترجما للعربية فى نفس السياق التاريخى، وبدون اعتساف أو قهرعلى مثل هذا التعريب، بل فى تعايش ببلد قوى، لا اختلاف فى بلد ضعيف.
هذه الاجتهادات المتعددة لا تزال موجودة من خلال تيارات العمل الوطنى: الليبرالية والقومية والاشتراكية والإسلامية، وكذلك داخل التيارات الإسلامية أصبحنا نرى إخوانا ووسطا وسلفيين وصوفية، فهل الحل هو التنازع، لا سيما فى السياسة التى تحتكم للاعتبارات العملية فى أغلب أحوالها، وهو موضع الاجتهاد، الذى يجعلك اليوم مشتركا مع القوميين، وغدا مع الليبراليين، وبعد غد مع الاشتراكيين.
 لعل من الاجتهادات المقبلة بإلحاح على الجميع فى هذا الظرف صياغة العدالة الاجتماعية من خلال تصور مختلف عن تأميمات الدولة واشتراكيتها التى فرضتها الدولة فى الستينات، ويجب على التيارات الأربعة التعاون للوصول لتصور مجتمعى مشترك يستفيد من اقتراحات كل طرف لمصلحة مصر.
أرجو أن يعى الإسلاميين أن إقحام الحلال والحرام والفتوى فى كثير من الأمور، هو مثل القول فى القرآن بالرأى، يضر بالإسلام أكثر مما ينفعه، ويلصق به اجتهادات الناس وهم غير معصومين، بل وقد يضلل العامة فيكون ضرره عليهم لاحقا أكبر، وتأثيره على صورة الإسلام الناصعة أسوأ. وأن يعوا أن مصر الإسلامية والقومية والقبطية كانت منذ القدم قبلة للأفكار وقبلة للناهلين من خبراتها وتجاربها، فلا يحتكرن أحدنا صحة الاجتهاد، لكيلا يعاقب مثلما عوقب -بسنن الله وقوانينه الغلابة- عبد الناصر لما هزم فى 1967ومبارك لما عزل فى 2011، فهذا قدر الاستبداد الذى يسول الشيطان لصاحبه أنه الأمين على الحق وحده، فيغتر ويخطئ، وهو ما جعل الإسلام ينهى العلماء عن مصاحبة السلطان، بل وجعل العالم الذى يذهب للسلطان فيأمره وينهاه هو العالم الأورع، فكان هذا هو النموذج العابر للعصور للعلماء، والذى أثرى رجالات الأزهر فى عصور طوال، فحذار من إغراء السلطة بأن يجعلكم تنسوا أنكم ستصبحون فى موقعها هدفا لمعارضة العلماء الصالحين لتقويمكم مثلما حدث لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما قال على المنبر:- "إذا أصبت فأعينوني، وإذا أخطأت فقوموني"، فقال له رجل من بين الناس: "إذا أخطأت قومناك بسيوفنا..!".

عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يرضى بتعبيد الناس للناس ومصادرة عقولهم، وتغييبهم عن الساحة، بل يطالبهم بالمشاركة والناس لا يرضون بالتبعية والعجز.. وهكذا تبنى الأمم.(1)

مصادر:


Tuesday, March 15, 2011

الطريق الثالث بدلا من لا ونعم


هناك الكثيرون ممن دعوا لرفض التعديلات الدستورية المقترحة من قبل اللجنة التى شكلها المجلس العسكرى القائم بأعمال رئيس الجمهورية، وذلك لعدة أسباب وجيهة منها أن الشرعية الدستورية لا تحتمل ترقيع دستور يحمل من العيوب أكثر من المزايا. أما دعاة الموفقة فإما أنهم يحملون مصلحة بوجود مجلس الشعب القادم (وهذا أمر لن نتأكد منه إلا بالتجربة فى الصندوق) أو أنهم يرون على أرض الواقع اشتباكات لاستمرار الحكم بالمجلس العسكرى، مع صعوبة الانتقال لمجلس رئاسى مع غياب المؤسسات وخطورة تمديد الوضع المؤقت، بل إن البعض وصل لأن الفائدة فى تمديد الوضع الانتقالى هى نوع من تحييد الجماهير التى لا تحتاج وصاية من باب أنها لم تصل بعد لمستوى الديمقراطية والوعى الديمقراطى الكافى.
يخاف الداعين للرفض من الثورة المضادة ممثلة فى حزب أصحاب المصالح الذين ربما يكون الإجهاز عليهم بسرعة التحركات الثورية أشد نجاحا من تركهم سنة وبضعة شهور لترتيب أوضاعهم، بينما يخاف الداعين ل"نعم" من تململ الشارع من عدم الوصول لإصلاحات حقيقية طالما لم يستطع المجلس العسكرى إجراء تغييرات جذرية فى البنية القانونية والإدارية للدولة خلال الفترة الانتقالية.
لوهلة تصورت نفسى فى اللجنة الانتخابية وأسود البطاقة ب"نعم" وب"لا" كليهما مبطلا صوتى، ولعل ما أوحى إلى بذلك أحد الاستفتاءات الاستطلاعية التى وجدت المجيبين ب"نعم" 43% والمجيبين ب"لا" 47 % والباقين لم يحددوا بعد رأيهم، فهل من الممكن أن نخرج من استفتاء مثل هذا للعجلة بنتيجة تعادل أو هزيمة سلبية للأطروحتين المستفتى عليهما.
وياترى ما هى التتابعات التى ستحدث، بالرغم من قناعتى أن هذا الحل قد يكون سحريا وسيؤدى لنفس نتيجة لا بالضبط، وهو الشروع فى انتخاب جمعية تاسيسية للدستور من قبل الشعب الذى يخاف البعض من أن يأتى بالحزب والوطنى والإخوان سويا ليتآلفوا بعيد ثورة فرقت بينهما تفرقة دموية، فهلا أجابنى أحد العاقلين هل يمكننى أن أكون زمهلويا بدلا من تشجيع الأهلى أو الزمالك؟

Saturday, March 5, 2011

النقل البحرى ولاجئى مصر فى تونس



          قامت القوات المسلحة المصرية ببعث قطعتين بحريتين لتونس (حلايب وشلاتين) لترجع بكميات كبيرة من المصريين الذين لجؤوا للحدود التونسية لقربها من طرابلس العاصمة الليبية والتى لم تستقر الأوضاع حولها وبها على قرار موحد مع الثورة أو مع القذافى. ثم تزايدت الأعداد حتى أعلنت فرنسا وبريطانيا مشاركتهما فى إرجاع 11 ألف مصر للأسكندرية، كما شاركت العديد من الدول بإعادة المصريين بالطائرات من تونس، مع مصر.
          لكن ما أثارنى هو عدم وجود قطع بحرية مصرية تذهب لتونس لتأتى بالمصريين مشاركة من القطاع المدنى مع القطاع العسكرى. تذكرت ركوبى إحدى عبارات السلام المملوكة لممدوح اسماعيل قبل أن يسقط وتسقط شركته، فى طريقى من السويس لجدة، والحقيقة لم تكن هذه العبارة سيئة فى حدود الرحلة. لكننى سافرت بعد حادث العبارة للمملكة العربية السعودية للعمل، وفكرت فى الرجوع بالبحر، فسألت عن نفس الخط البحرى بين جدة والسويس، فقيل لى أنه قد أوقف، ولا يوجد إلا جدة-سفاجة وبسعر يقارب سعر بعض الخطوط الجوية، وكان النقل البرى يجرى بعبارتين أو لنشات سريعة من ضبا لسفاجة خلال ساعات لعبور البحر الأحمر بين البلدين، وهاتين العبارتين كانتا هدية سعودية للنقل البحرى بين البلدين.
          سؤالى هو: أين شركات الملاحة البحرية المصرية، ولماذا لم تنشأ شركات جديدة لإبقاء الخط الملاحى الهام للعمرة والحج فى البحر الأحمر، من قبل رجال أعمال آخرين؟ وهل كان ممدوح إسماعيل هو المحتكر الوحيد لهذه الوسيلة الهامة للنقل؟ أليس هذا مجالا للمكسب بالنسبة لرجال الأعمال الوطنيين، ومجالا لقوة مصر ومشاركة القطاعات المدنية فى أى أزمة شبيهة بأزمة المصريين العالقين بتونس؟
سؤال لا بد أن نجيب عنه فى المستقبل القريب خاصة بعد ثورة المصريين على الكثير من المفاسد، ومنها الاحتكار والبحث عن الربح بلا بناء حقيقى لقدرات مصر، وخاصة مع رئاسة الوزراء لرجل خبير فى النقل على مستوى عالمى مثل د. عصام شرف.