Saturday, August 10, 2013

حركة التاريخ

لن يمنع أحد بالفعل حركة التاريخ، هو بس فيه شوية زرجنة فى مصر لأن مجموعتان تظنان أنهما يحركان التاريخ منفردين برغم مجيئهما متأخرين بخطوات: بين استخدام وسائل ناجحة وبين استخدام مبادئ ناجحة، وللأسف بدلا من التعاضد والاتحاد للمضى نحو المستقبل، نقف سدا فى وجه شعبنا بالتنابذ والتقسيم، ولعله من حركة التاريخ أيضا أن يلتقى المختلفان ليحكم الله بقدره بينهما، من السابق الذى تدول دولته لأن رصيده قد نفذ، ومن المستقبل الذى سيأتى لاحقا، ومن الذى لا يزال فى رصيده القدرى زمنا باقيا، ومن اللذان يمكن أن ينهكا بعضهما ليأتى طرف ثالث ليرثهما معا. ليست كل المعارك لها نتيجة واحدة إما النصر أو الهزيمة: أحب أن أفاجئكم بأنها أحد أوهامنا الطفولية الجميلة، فبعض المعارك مجرد تأجيل لقدر الهزيمة النهائية وبعضها هزيمة تودى بالطرفين، وأحيانا إن خلصت النوايا يستطيع الطرفان الخروج بالنجاح لكليهما طالما اعترفا بأن لكليهما رصيدا يسمح بالاستمرار. والله من وراء القصد.

البرادعى يأتى متأخرا مرة أخرى

لم أعتقد أن البرادعى عميلا مثلما لم أقتنع بالنظر للإخوان على أنهم مجرد متآمرين. خلينا فى البرادعى، اقتنعت أنه يأتى متأخرا وهذا فى السياسة أمر ضار جدا – وللأسف وقع الإخوان فى خطأ ترك زمام المبادرة. من أتى بزمام المبادرة هذه المرة كان السيسى والجيش من خلفه، ليقوم بتطبيق نظرية البرادعى عن خطة طريق يقوم بإتمامها مجلس رئاسى. بتقول مجلس رئاسى؟ آه، اكتشفتها بالصدفة لما قريت خبر صلاة العيد فيه 4 أسماء بدلا من اسم واحد.
المجلس الرئاسى المقترح كان يضم:
1-   شخصية قضائية، وبالتحديد رئيس المحكمة الدستورية العليا: عدلى منصور
2-   شخصية عسكرية: وزير الدفاع القائد العام: الفريق السيسى
3-   شخصية من التيار الليبرالى: البرادعى
4-   شخصية من التيار اليسارى: اعتبرها البعض الببلاوى الذى له علاقة بالحزب الديمقراطى الاجتماعى ونائبه من هذا الحزب زياد بهاء الدين
5-   شخصية من التيار الإسلامى: دائما ما كان يطرح اسم أبو الفتوح، وهو من أكد أن عدلى منصور أخبره عن اتخاذ قرارات جماعية، لكنه استبعد بعد ذلك، والمشكلة أن الشخصية التى يريدها أنصار التيار الإسلامى لتمثلهم هو مرسى نفسه الذى اكتسب شرعيته بوصوله لمنصب الرئاسة.
التيار الإسلامى الذى يزعم أن معه الأغلبية ويحارب من أجل الشرعية، يمكن أن يستبعد من خطة البرادعى فى ظل انقسام حقيقى، سأعتبره بنسبة 70%:30%. فهل سيكون هذا فى مصلحة هذه الخطة الرائعة.

الظاهر أن البرادعى ومن اقتنع بفكرته (السيسى) وصلا متأخرين مرة أخرى.

الكراسى الموسيقية


من أعجب الأشياء التى وصلنا لها أن سلطتان فى مصر لكل منهما احترامه وقوته على الأرض وفى الأمر الواقع وفى دهاليز الحكم اضطرتا للجوء لدولة عظمى للوساطة والحكم بينهما. لا يهمنى من البادئ لكنه يدل لعى أننا لا نستطيع التفاوض والتصالح داخليا بقدر رهيب. ألا يذكرك هذا الموقف بما كان عليه حال المصريين بين ملك لا يحب أن يشاركه فى الحكم حزب الوفد الشعبى ذو الأغلبية، والذى حكم فقط 5 مرات فى 32 عاما، بل وحل الملك مجلس النواب بعد 8 ساعات فقط من انعقاده لاختيار رئيسه سعد زغلول، ومع الأسف كان الدستور يعطيه هذا الحق، فليست المشكلة فى توازن السلطات فى الدستور، بل فى الحماقة فى استخدام الحقوق.
اختلف الملك والوفد، فظل الوفد تزور ضده الانتخابات طالما ليس لهم أهمية بضغط الشارع أو للتفاوض مع الإنجليز على معاهدة يمكن للإنجليز تطبيقها حقا – مثل معاهدة 1936، قبل الحرب العالمية الثانية، بل واضطر الإنجليز لمحاصرة قصر عابدين للإتيان بالنحاس زعيم الأغلبية على أسنة الرماح، وهو ما جعل المصريون يعيشون عقدا من 42 وحتى 52 كانت نهايته زوال الملكية والأحزاب وجلاء الإنجليز وظهور قوة جديدة لترث الصراع الدائر بين القوتين الأكبر فى الحياة السياسية المصرية.
أثناء هذا الصراع ظهرت طرقا سلمية ومظاهرات وغيرها من الفعاليات السلمية، كما ظهرت فعاليات عنيفة مثل العمليات ضد معسكرات الإنجليز والاغتيالات السياسية. فى يوم من ذات الأيام توهم زعيم وفدى اسمه أمين عثمان بأن المجاهرة بصداقة الإنجليز أمر محمود، فصرح أن العلاقة بين مصر وانجلترا مثل الزواج الكاثوليكى، فتحمس مجموعة من الشباب لقتله، وكان أن قتل اغتيالا، وكان من بينهم ضابط فى الجيش يسمى أنور الساداتى، وقد رفد من الجيش وحوكم، ثم دارت الأيام واستطاع أن يأخذ عفوا ملكيا ويعود للجيش، بل ويشارك فى انقلاب 1952 ضد الملك الذى احتضنه الشعب وقبله فأصبح ثورة يوليو التى سعت لإنشاء نظام جديد كامل. الحكام الجدد كان الباشوات يكرهونهم وينعتون زعيمهم ناصر بابن البوسطجى، وطبعا أن يأتى بعد ناصر رجلا أسمر البشرة مثل السادات وقد كان من المختفين فى داخل نظام ناصر – لا يجهر بآرائه الخاصة- لكنه تولى الحكم بعد موت ناصر وحارب إسرائيل التى احتلت سيناء وتفاوض معها، وقال قولة تشبه قولة أمين عثمان الذى شارك فى قتله بالمساعدة، قال عن أمريكا حينما حاول التفاوض مع إسرائيل: إن 99 من أوراق اللعبة فى يد أمريكا، وبعد سنوات قليلة مضى فى معاهدة للسلام كانت صادمة لبعض مواطنيه، وبالطبع منهم الشباب، فتآمر ضده مجموعة لاغتياله ونجحوا، وحبس منهم مجموعة ظلت سنوات طويلة فى السجن، حتى خرج منهم من أصبح رئيس حزب سياسى.
هل هناك مكان لا يمكنك أن تصل إليه، وتعاقب بنفس العقاب الذى طرحته من قبل.
فليتذكر السياسيون من جبهة الإنقاذ أنهم كانوا فى الميادين يعتصمون ويعيبون على مرسى الكثير، وقد جلسوا فى نفس الكرسى الذى جلس فيه من قبل الإخوان مع المجلس العسكرى بقيادة طنطاوى، فهل سيتحملون ما سيجدونه فى الضفة الأخرى من النهر بعد أن عبروه؟؟؟
ربما كان طريفا أن نسأل مثلا: ماذا سيكون موقف الجبهة لو كسب الدستور القادم ب52% فقط، هل سيصروا على إعادته لأننا نحتاج لتوافق بنسبة الثلثين فى بلد منقسم!!!

حقا: كل شئ هالك إلا وجه الله

Monday, November 12, 2012

الكاتب المصرى يدفع الفرعون



فى كل ركن من أركان المؤسسات المصرية يجلس متربعا، خلف أذنه قلما، ويأتيه الناس، ليتفلسف عليهم، ويجعلهم يدورون حول أنفسهم باحثين فى أيديهم عن ورقة ناقصة أو إمضاء منسى، خلال رحلة المواطنين والساسة للوصول لإتمام مصالحهم سواء الشخصية منها أو المرتبطة بالعمل، كالطبيب والمعلم وأستاذ الجامعة والخبير الاقتصادى ومهندس الرى والتعدين والكهرباء، بل وضابط الشرطة والقوات المسلحة. (ربما أستثنى المحامى لأنه يغلب الموظف فى فلسفته للأمور والأوراق، بل ويستطيع أن يخترقه تارة بالحق وتارتين بالباطل)
          هذا الكاتب الموظف، رمز البيروقراطية المصرية العتيدة التى ترجع لعصر المصريين القدماء، والذين قالوا عن موسى عليه السلام أنه "سيذهب بطريقتكم المثلى"، لا يزال فاعلا، بل ومحملا بأمراض أصابته بمرور العصور والأزمنة القريبة والبعيدة، تارة يتسلح بالمداراة، ليمنع عن نفسه بطش السلطان، وتارة يتسلح بالكسل الذى يقيه حسد الناظرين لمجهوده من زملائه ومرؤوسيه الذين يريدون نسبة النجاح لأنفسهم، وتارة يتكتم فى مواجهتهم، ثم يتشدق بنقدهم خلف ظهورهم.
          ربما يعيب الكثيرون على الإخوان انهم لم يصنعوا شيئا حتى الآن، وهو حقيقى، وربما يخاف البعض من أخونة الدولة، وهى أمر لو فعلوه لكانوا قادرين أو فاجرين مثلما يقال عن زوج الاثنتين، لوجود هذا الكاتب المصرى فى بنية الدولة، فأقصى طموح الإخوان أن يصنعوا مثلما صنع الرومان والعرب والمماليك ومحمد على والضباط الأحرار: أن يشعروا هذا الكاتب أنهم أسياد البلد، والآمر الناهى فيها، ثم يعطونه أوامر محددة ليقوم بتنفيذها طائعا ليخرجوا بنتائج تثبت قدرة هذا الكائن الخرافى (الكاتب المصرى) على النجاح فى ظل الأزمات إذا توفرت الشروط.
          وشروط عمل هذا الكاتب المصر تختصر فى السابق والتالى:
1-   تحديد الهدف من إدارة الدولة (مثل زيادة إنتاجية الرقعة الزراعية كمثال سيدنا يوسف، أو زيادة خراج الدولة كمثال عمرو بن العاص رضى الله عنه، أو تحقيق الاكتفاء من القمح مثلما كانت روما تفتخر بأن مصر مزرعة القمح التى تؤكل روما)
2-   تحديد المهام الموكل بها هذا الكاتب أو الموظف (عادة كانت تأتيه فوقية لكى يقوم بالعمل صاغرا، لكن حتى لو أتت بمشاورة وديمقراطية فيجب توضيحها واختصارها ومباشرتها عند ابتداء العمل، ثم الإصرار على متابعة النتائج والتأكيد على أنها هى الهدف المنشود)
3-   تأمين طعام هذا الكاتب، وإشعاره أنه من خير أرضه، فهو مجبول على أن الخير فى أرضه وضرع بقره، فإن جفت الأرض والضرع، سيصبح شبحا لا نفع فيه يسرق، ويدعى أنه يعمل، ويتفنن فى الاحتيال ليوحى إليك بذلك، فلا تستطيع أن تجعل همه فى العمل، وتدوران فى دائرة مفرغة يعرف هو خفاياها أكثر ممن يحكمه.

هذا الكاتب، فى مكان مثل الجامعة التى أتى منها د. محمد مرسى يحول العميد الآتى من بين رفوف الكتب وأضابير العلم، إلى تلميذ ينتظر إجاباته الملهمة إن لم يكن من الشخصيات القيادية ذات الرؤية، فتجد علماء من ذوى الوزن لا يحركون ساكنا إلا بعد استشارة أمين الجامعة أو الكلية، وهم معذورون، يصبحون مثل الطبيب الذى من فرط اعتماده على الممرضة يسألها عن تشخيص المريض ويجعلها ترتب له كل أعماله.
مصر الآن فى حاجة إلى فهم مفاتيح هذا الكاتب الذى يلعب لعبته الأزلية التى اعتادها لقرون متطاولة فى الضحك على الذقون، وإفهام الفرعون أن ما يطمح إليه لا يمكن عمله، وأن تخزين الحبوب لسبع سنوات أمر لا يتسق مع تصريف الحبوب فى المملكة، وأن النمل والحشرات ستقضى عليها لا محالة، لأننا اعتدنا ان الصوامع مصابة، لكن إن جعل القائد همه فى تنظيف الصوامع وترتيب أحوالها قبل تخزين السنوات السبع، سيضطر حينها هذا الكاتب المعتاد على الأوامر الفوقية أن يلتفت لهذا المختلف، وسيضطر لمعاونته، وإن نجح سيصفق له، وربما يصنع له التماثيل ويتغنى بحكمته والإلهام الإلهى الذى يأتيه من لدن الخالق الحكيم.
أقول لمن فى مصر من أقصاها لأقصاها: لا تستسلموا للكاتب المصرى ليقودكم لوجهته الخالدة: تأمين رزقه من مهنته، لكن سوقوه للنجاح لكم وله، وإلا سينقلب عليكم باللائمة إن فشلتم، فهو فى مكانه مثل النيل والنخيل، تموت واحدة فتقوم الأخرى بجوارها على بعد خطوات، لن يضيره قتل نصفه، لكنه سيتحرك حينما تأتى الأوامر الواضحة والسياسة الذاهبة لهدف محدد.
إن لم تسوقوه سيقودكم لحتفكم، تارة بالحيلة والمديح (ومبارك نموذج واضح لهذا)، وتارة بالتكاسل وإظهار الخضوع (الذى تجده من حيل المصريين النفسية الشهيرة)
الإدارة هى مشكلة مصر التى شخصناها جميعا فى آخر عقد، ومن حول جمال مبارك أوحوا إليه أنه مبعوث العناية الإلهية ليدير مصر بنجاح فانقلب السحر على الساحر، فحتى سحرة فرعون حينما فشلوا انفضوا عنه. يجب على من يدير مصر أن يهاجم مباشرة مواطن العفن والتحلل الذى أصاب بنية النظام فيها فيزيل العفن والصديد، ويحدد القواعد التى سيقوم عليها هيكل النظام الجديد مكان المهترئ، فعلها بالأمس القريب عبد الناصر بالديكتاتورية، وتصلح اليوم بالديمقراطية، إن أحسن الفعل وكان التوفيق حليف من يدير هذا البلد. لن يفيد الحذر الإخوانى المعتاد فى هذه المشاكل الحياتية للمصريين، بل يجب أن يكون فيهم أو معهم "الإدارجى" الذى تظهر عبقريته فى الوقت المناسب لتنظيف الأرض وبذر البذور وتعهدها، فإن أيقن الكاتب بأن هذا الإدارجى يفعل ما يفعل عن بينة فسينقلب من التكذيب إلى المديح، ومن الحيلة إلى التتبع لخطوات الحاكم الذى يثق فيه منذ القدم، طالما أطعم الفم لتستحى العين

Thursday, June 2, 2011

لا هجرة بعد الفتح


إذا نظرنا إلى المعارك الصحفية الدائرة اليوم على تصريحات لصبحى صالح أو صفوت حجازى أو عمرو حمزاوى، بل وحتى أبى إسحق الحوينى لتصورنا ان المصريين لن يتفقوا مثلما حدث بالميدان ثانية، فحتى مقال فهمى هويدى "تدليس إعلامى" كان سببا كافيا بعنوانه النارى أن يثير معركة صحفية ليست هينة، ربما هى من تجليات حرية الرأى والديمقراطية، التى ننتظرها بحق ونشغف بها لكى توصلنا لبلد متقدم ناجح. أغلب هذه المعارك مرتبطة ولا شك بالإخوان لأنهم الفصيل الأكثر أهمية، فقد أصبح فى تصور الكثيرين بديل الوطنى مع إيقاف التنفيذ، وهم بلا شك لا يريدونه بديلا للوطنى الذى كان يروج نفسه لطرفى المعادلة السياسية: الإسلاميين والليبراليين على أنه الوسيط الذى سيحقق الوسط الذهبى من خلا إتاحة هامش من الحرية والديمقراطية التى بدأها السادات فى عهده، للجميع، والشاطر منهم كان الوطنى قادرا على تحجيمه لكى لا ينفرد بإدارة قرار الأمة المصرية والعربية. كان الوطنى يحسن اللعب على حبال هذه الوكالة المدعاة ويسلب جميع التيارات الحقيقية من إسلامى وقومى واشتراكى وليبرالى تحركهم الحقيقى، سوى اجتهادات تتفوق فترة ثم تخبو مثلما حدث لأيمن نور، أو عمل دؤوب هادئ فى ثنايا حياة المصريين مثلما كان الإخوان يصنعون، بل ومثلما كان السلفيون فى دروسهم العلمية وهم يعتزلون السياسة يفعلون، وكذلك الأقباط المتدينين داخل كنيستهم كانوا يصنعون.
الآن وقد أصبح الجميع وجها لوجه دونما وكالة الحزب الوطنى الذى أصبح عضوه يتوارى خجلا فبين من قفز من سفينته، ومن آثر الصدق فاستمر بما سيخسره بسبب هذا الموقف، ومن أقفل عليه باب داره، ومن يحاول إدارة عجلة التاريخ فإذا بها تدهسه. الآن المعارك السياسية التى أدعى أنها يجب أن تؤجل لحين الاتفاق على القواعد المنظمة لخلافاتنا، بدأت برغم أمنياتى الحسنة، بل إنها أصبحت تدريبا لنا فى كيفية الخلاف وإدارته، لكى تصبح الديمقراطية المطبقة رشيدة لا حمقاء.
سأخص الإخوان بخطابى لأنهم البديل المدعى للأغلبية الموهومة، فإن صدقت النبوءة التى يكذبها بعض الإخوان، فعليهم ضريبة لهذه الحرية والاستبدال الذى سيجعل منهم مُمَكّنين بعد حظر.
بالنسبة للإخوان تحديدا هم قوم لديهم فكرة يؤمنون بها، وهى فكرة موجودة لكنها كانت مغلقة للحظر، فلما فتح الحظر لم يفهم البعض أنه "لا هجرة بعد الفتح" (قاعدة أبطلت فعلا تعبديا لتغير الظرف من مواجهة لمعايشة)، وأن تألف القلوب أولى من الوقوف صفا فى مواجهة الجموع. أ/ صبحى صالح نموذجا لذلك، فقد مثلهم فى لجنة تعديل الدستور فأصبح أكثر شهرة مما كان، لذلك كان محل تلقف لتصريحاته التى يحتاج لغربلتها بمعاونة شباب من الإخوان وأناس يعون نفسية الجماهير التى يُحارَب الإخوان من جهتها، كما يُحارَبون لأسباب فى داخلهم تحتاج لمراجعة منها على سبيل المثال أنهم يؤمنون بأفكار الجماعة ((كأنها)) من صميم الدين، مع أنه حتى شرائع الدين المتفق عليها بها قاعدة عامة تقول:"لا ضرر ولا ضرار".
الإخوان بين حظر يجعلهم متحفظين من إبداء ما بداخلهم، واعتزاز بما يؤمنون به يجب أن يعوا أن التعامل مع الأفكار البشرية التى كان حسن البنا يحاول من خلالها أن يبنى بناء ضخما، يمكن مراجعتها لأن هذا أصح، مثلما فعلوا مع التعددية الحزبية التى كان البنا رافضا لها وقبلوها بمرور الزمن وتراكم الخبرات.
لقد خصصت صبحى صالح لأنه بتصريحه حول زواج الإخوان من بعضهم البعض، تناسى تغير الظرف الذى يجعل من إيمانهم بأفكارهم وحرصهم على تعديها لغيرهم أن يقبلوا بهذا الزواج بين إخوانى وغير إخوانى، مثلما قبل الإسلام الزواج بين مسلم وكتابية، وهو ما قرب بين الإسلام وأمم شتى عاش بينها حاكما فأصبح بمرور الوقت ساكنا أصيلا، مع الاختلاف فى القياس.
ما يزيد الطين بله أن الأستاذ صبحى صالح يدخل معركة جديدة بقوله أنه كُذب كما كُذب النبى صلى الله عليه وسلم، وأنا هنا أذكره بأمر ربما لا يخفى على أمثاله: كان الإخوان فى حال حظرهم يُدافع عنهم من قبل أناس يرون أن من حقهم أن يعبروا عن أنفسهم ولا يكونوا محظورين، وكانوا يجدون تأييدا من البعض حول مواقف محددة يميل إليها كثير من عناصر الأمة وتياراتها، وكان من بين هؤلا واحدة مثل منى الشاذلى أو واحدا كبلال فضل أو ابراهيم عيسى. هل المفترض فيمن كان يرى لى حقا أن أضعه فى خانة الأعداء حينما يخالفنى رأيا أو موقفا، أم أن ذلك سيعود على بالضرر السياسى لأننى إنما أحارب طواحين الهواء، وأستبدل التألف بالعداوات. إن تيارات مصر تجتمع على مواقف وتختلف على أخرى، فلا يجب أن نجعل الاختلاف كسرا، بينما يجب أن نجعل ما نتفق عليه قوة وعزيمة.
 إن ما يلام عليه صبحى صالح يستدعى من الإخوان تفهما لحديثهم للناس وما يجب قوله وما لا يجب: أى الكياسة والأولويات واعتبار تغير الوضع بقيام الثورة، وإلا لأصبحوا فى مرمى السهام والتى لن تكون جميعها مغرضة، بل سيكون بعضها قاسيا لأن موجهها مختلف معهم، لكن هناك من ينصحهم إشفاقا عليهم وعلى صورة الإسلام الذى قد يمثلونه فى لحظات تاريخية قادمة، فإن أساؤوا سيقال أساء الإسلام مُمَثلا فى الإخوان المسلمين، وحينها سيكون أول من يواجههم لا العلمانيين ولا الليبراليين، بل إسلاميين أمثالهم، وهذا هو جوهر الديمقراطية أو الشورى التى ندعى جميعا أننا نريدها لكننا فى  مرحلة تدريب عليها، وفق الله جميع تيارات مصر لصالح مصر وأمتها العربية والإسلامية، مصر التى أصبحت - بدون شك- نموذجا ينظر إليه جميعهم من المشرق للمغرب بأكثر مما كنا نتصوره كمصريين، لذلك فخلال و بعد هدأة غبار معارك جانبية على الأصوات والصناديق، وتدعى أنها لأسباب أخرى مبدأية بين تيارات مصر، يجب على الجميع أن يعوا أن مواقفهم ليست تُنظر من شعب مصر فقط بل من العالم أجمعه والأهم هو محيطنا الذى يقف معنا إن أفلحنا ويتأسى علينا إن فشلنا، والله من وراء القصد.

Monday, April 25, 2011

كلنا واحد والنجاة من مصير أسود



إغفاء، ثم يقظة، على أحداث فيلم: يتزوج الشاب المتدين العائد لبلدته الصغيرة من عاهرة تائبة تكبره بسنين، وقد تزوج من محبوبته شابا يماثله فى السن، لكنه يغايره فى الاتجاه: يعمل مع الشرطة مرشدا أو ماشابه، بل ويختلف مع الضابط الذى ينقل من هذه العزبة وهو يرفض ويحاول التجهيز لمعركة لقتال مجموعة بالعزبة، فإذا بالزوجة المحبوبة تشعل النار فى زوجها الكريه الذى ربط نفسه بالسلطة وممثلها الأقوى بالعزبة، ثم اختلف معه. بينما حبيبها السابق يقتل على يد من أعطوه أموالهم ليشغلها بعد أن نجح بالتجارة لما عاد للعزبة، فإذا بزوجته العجوز تأخذ الأموال لتتركه فى مهب ثورة الناس، ويموت النقيضان الطيب والشرير بالرصاص فى لحظة درامية واحدة تؤذن بنهاية الفيلم "عزبة آدم". يا لها من نبوءة لكلا طرفى المعادلة بمصر، توقعها البعض لحزب السلطة المكروه ولحزب التدين الذى لا يحسن إدارة أموال الناس، فيصبح كليهما محلا لثورة الناس، الذين يريدون العيش فى رخاء وسلام، ينتظروهما من السلطة ومن أهل الدين.
          وقامت الثورة بمفاجأة لم يتوقعها أحد فى هذا التوقيت بالذات، تأخرت عن بعض التوقعات وسبقت بعضها الآخر، فإذا بحكيم يتغنى: "كلنا واحد" ناشرا أعلام الدول العربية المتعددة ورمز الهلال مع الصليب، فيا لها من محاولة للخروج من المصير المأزق الذى نجت منه مصر ولم تنج سلطتها المنهزمة بقيام الثورة، وإسقاط النظام. لم يعد لنا إلا أن نتأسى بما حدث فى الثورة من استلهام النماذج الناجحة مثل ثورة تونس، وتناسى الخلافات والقدرة على التآلف والائتلاف، من غير سلطة تلزم الناس به. أن يتآلف المختلفون على مصالح البلاد والعباد، ويستطيعوا أن يديروا خلافاتهم بنجاح لمصلحة السفينة التى لا يمكن أن يستبد كل جماعة برأيهم فيها فيخرقوها لنغرق جميعا. 

Tuesday, April 12, 2011

الشعب العاطفى ورجال الحكم



يقولون أن الشعب المصرى شعب عاطفى، وهذه حقيقة نشعر بها ونراها، وقد تندرنا كثيرا بهذا إبان الخطابات الحرجة التى أخذ الرئيس السابق حسنى مبارك بإلقائها وإذاعتها بمعاونة الرجال المقربين منه، وكان يحاول من خلالها إرسال رسائل للشعب وبعض طوائفه، مثلما هو أراد أن يستدر عواطفهم نحوه، وهى عواطف بدأت معه من بداية عهده جياشة ثم هدأت ثم تململت ثم انقلبت، وحينما حاول أن يسترجعها بخطاباته تلك أثناء الثورة أتت بالنتائج العكسية باقتدار.
            الآن يأتى خطاب ما بعد الرئاسة لمبارك فى توقيت متقارب مع خطاب يكاد أن يكون الأول لرجل الدولة التنفيذى الأول: د.عصام شرف. و إذا بنا نجد أنفسنا فى موضع المقارنة، حتى مع اختلاف درجة التكليف بالسلطة، فالأول رئيس واسع السلطات والثانى رجل طلب ليرأس مجلس الوزراء فى وقت الأزمة ولا يوجد رئيسا منفردا ليجعله سكرتيرا بل مجلس عسكرى مثقل بالتكاليف والمطالب، ويحتاج لوزراء يعينونه فيحملون معه.
            الحقيقة أننى شعرت بأن الدكتور عصام شرف رجل يميل للعمل أكثر من الكلام، لكنه ليس عاجزا عنه، بل لعله زاهد فيه، وأحمد الله أنه تحدث بالعامية مخالفا لخطابات مبارك الفصيحة والخالية من الإحساس بالناس، فأول خطاب حتى ولو كان كله بالعامية هو خير من خطاب فصيح لا يصل لنا، وأظنه يضع نقاطه فى ورقة ثم يسترسل فى تفاصيلها مثل بعض الأساتذة فى محاضراتهم (وهو أستاذ جامعى)، ولعله فى المستقبل يجمع بين الفصحى والعامية مثلما كان جمال عبد الناصر أوالشيخ الشعراوى والعامية تقرب المتحدث من الناس مثلما تجعله الفصحى رسميا.
            من الحسن أن يكون شرف متجنبا لكلمات اشتهرت على لسان مبارك، مثل"الإخوة المواطنون" أو "الإخوة والأخوات" أو "مصر هى هدفنا" ومثل هذه الديباجات التى فقدت معناها على لسان مبارك، بل بسببه هو ومن شابهه بمصر وفى الوطن العربى. ولقد وجدت أن الخطاب العاطفى فى خطاب شرف أفضل وأقرب لقلوبنا فى هذا الظرف العصيب بعد الثورة التى تواجه فيه مصر تحديا جديدا مرتبطا بمبارك وهو كيفية توقيت محاسبته ومحاكمته، فلقد أصبح المجلس العسكرى فى محل الريبة لدى قطاعا من المصريين، بينما يثق فيه غالبية المصريين، لكنهم ربما ليسوا متأكدين من أن محاسبة مبارك كانت ستأتى أصلا، لكن الأزمة جعلت الطرفين ليسا فى موضع اختيار، فالحساب أصبح قادما ولا بد، حيث أن التأخير عادة ما يعطى الخطوة دفعة قوية زادها دفعا خطاب مبارك المسجل من شرم الشيخ والذى فجع الكثيرين، لا لمحتواه بل لمصدره الذى لم يعد يحظى إلا بتعاطف الأقلية القليلة.
            وتعاطف الشعب وحده ليس كافيا، حتى مع المجلس العسكرى الذى يمسك بزمام الأمور، فالشعب المصرى لديه طابع عجيب لا بد أن يعرفه كل من يحاول أن يحكمه من أول المجلس العسكرى لعصام شرف لساسة مصر فى جميع التيارات والذين أصبحت عيونهم على كراسى الحكم الآن من رئاسية لوزارية لبرلمانية، وأخص منها الكراسى التنفيذية بالذكر. هذا الشعب المصرى يبدأ مع من يحكمه بتفحص مستبشر، يزداد مع مرور الأيام قربا وثقة خاصة إذا قام بعمله على الوجه الصحيح، وليس الأمثل، فإذا كان عمل المسؤول محل تقدير وتميز، أصبح الحب جارفا، لكنه مع الوقت ومع مرور الزمن خاصة إذا أصابت الأمور ركودا معتادا يصبح الأمر ثقيلا على قلوبهم، فإذا توفرت الأسباب للضجر من قلة الأرزاق وفساد السياسة وضعف هيبة الدولة، انقلب الشعب على أعقابه سلبيا، ينتظر تحركا من قوة داخل الحكم تستبدل حاكما بآخر، أو تزيل حكمه، ثم مع مرور الوقت ينقلب على حكامه بشكل مفاجئ مثلما حدث فى ثورة 25 يناير ومن قبلها ثورة 1919 وثورة 1795م والتى استكملت بثورات القاهرة على الفرنسيين ثم صدهم لفريزر وحدهم عن رشيد، وغيرها. هذا الخروج وهذه الثورة تكون غير محسوبة وأقرب للعفوية، بل وتحتاج لمن يساعدها على ترشيد الاتجاه، مثلما يفعل المجلس العسكرى، أو مثلما أتى محمد على بعد جلاء الفرنسيين بيد عمر مكرم زعيم الشعب آنذاك. نحن الآن فى المرحلة الانتقالية لكننا نحتاج لمطالب نراها حساسة على رأسها المحاسبة لمن أفسد فى السابق، لكننا لابد أن نكون محافظين على السياق الحضارى للثورة الرائعة السلمية، وألا يكون حماس البعض مثارا لتشدد المجلس العسكرى بقدر ما يكون حافزا لتحقيق آمال الشعب المصرى والتى لا يعبر عنها بكتلته فى أغلب الأحيان.
            يا من تستعدون لحكم مصر بعد أن تنجحوا فى الانتخابات البرلمانية، كثير منكم يعرف مفاتيح قلوب وعقول الشعب المصرى ويستطيع أن يزيح الفلول المنهزمة من الحزب الوطنى الديمقراطى بسهولة قد تثير تعجبكم أنفسكم، لكننى أناشدكم الله أن تختاروا من بين أنفسكم لمناصب السلطة التنفيذية (فى حالة الحكومة البرلمانية أو الحكومة المعينة بتوافق حزبى من قبل الرئيس فى نظام رئاسى). أناشدكم الله أن تختاروا من بين أنفسكم رجالا لديهم الخبرة العملية والقدرة أكثر مما لديهم من القدرة الخطابية، فنحن نحتاج لمن يقوم بعمل قوى يسحب مصر من هوة كادت أن تقع فيها لكى تنهض من كبوتها، ولتجعلوا لهم من رجال الكياسة السياسية والحديث المنسق مستشارين ومعاونين. ولتضعوا من بين أنفسكم هؤلاء الرجال المهرة، حتى ولو استدعى الأمر أن تستدعوهم ليشاركوكم فى أحزابكم وائتلافاتكم دونما قدرة على المشاركة السياسية الواسعة والتى تأخذ من أوقاتكم الكثير، فهؤلاء مخزون مصرى لا بد له من أن يكون فى طليعة البناء، وأن تضعوهم فى المناصب التنفيذية لمصلحة أحزابكم ولمصلحة مصر سويا، ولكى تخرج لمصر القدوة البشرية التى تكون أول صف يبنى عليه من شباب سيُستدعون بمرور الأيام لصدارة المشهد، ولا بد لهم من أن يحسنوا اختيار القادة من بينهم مع تراكم الخبرات والبناء. ولتحذروا خلال المرحلة القادمة أن تستعجلوا غضب الشعب عليكم بسوء تقدير أو بطء فى الحركة، مثلما تعيبون على من يقومون الآن بإدارة الدفة، فالشعب المصرى ذكى مثلكم، ويحتاج لحركة حقيقية وقوية فلا يجب على من يسعى لمناصب الحكم منكم ألا يكون أقل من طموحات الشعب، وإلا سيُفرز سريعا ليُستبدل، وهذه طبيعة الثورات التى تريد طموحات عريضة مثل ثورتنا هذه، فلنا الله ليهدينا وليولى من يصلح بأصواتنا.